هل أصبح الحديث عن أهمية اللغة العربية بوصفها اللغة الأم الحاضنة لتاريخ الأمة وتراثها حديثاً مملاً مكرراً لا حاجة لنا به في زمن القرية الواحدة والعالم الواحد؟
وهل الحديث عن الآثار السلبية التي قد يجلبها عدم استخدام العربية في مجالات حيوية ومهمة كالتعليم والمخاطبات الرسمية والحوارات العلمية أمر فيه كثير من العاطفية والارتباط غير المبرر بلغة لا يمكن لها، كما يقال، ان تسهم في الإسراع بالنهضة والتقدم الذي نعيش سباقه المحموم كل يوم من دون أن نسمح لبصائرنا بالتفكر ولا لضمائرنا بالنطق؟
إنّ الأسئلة لا تقف عند حدّ وهي تتوالد في الخاطر بلا نهاية ونحن نرى ونسمع الكثير مما يعكس ما في النفوس من شبه اقتناع أو ربما اقتناع تام بأن لا حاجة إلى اللغة العربية وأنّ اللغة الإنجليزية من الممكن أن تفي بالغرض وتؤدي المهمة على خير وجه.
إنّ هذا الاقتناع يصرح به الآن تصريحا، بل إنّ بعض المسؤولين يتساءل كالمستنكر: وما الحاجة إلى اللغة العربية؟ ما المبررات التي تجعلنا نستخدمها في مراسلاتنا ومخاطباتنا؟
لا يستطيع أحد منا أن ينكر ما للضغوط العالمية نحو الاندماج واستيعاب الآخر من أثر مباشر وحاسم في تصاعد لغة الأقوى وفرضها، فكثير من اللغات باتت مهددة بخطر الانقراض وهي تذوب شيئا فشيئا في اللغات العالمية، وهي اللغات التي يتسم متكلموها بالشراسة الثقافية فضلاً عن أنهم أقوياء اقتصادياً.
ولكن لنا الحق أن ننكر هذا التوجه المخيف نحو إقصاء اللغة العربية عن كثير من المجالات الحيوية المهمة وإحلال اللغة الإنجليزية مكانها بحجة أنها لغة العصر!
لقد جاء في تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية ما يؤكد خطر سيطرة اللغة الواحدة على البشرية جمعاء، «لأن كل لغة تعبر عن نظرة فريدة للعالم ونمط من أنماط التفكير والثقافة...
ويمثل هذا الوضع - أي سيطرة اللغة الواحدة، استنزافاً للموارد على نفس القدر من انقراض فصيلة من فصائل الحيوان أو النبات، فكل لغة ينطق بها العالم تعبر عن طريقة فريدة للنظر إلى التجربة الإنسانية وإلى العالم نفسه».
وهذا أمر تناولته الدراسات اللغوية وفصلت القول فيه، فاللغة التي تنتمي إلى مجتمع معين هي التي تنظم تجربة هذا المجتمع، وهي التي تشكل عالمه وواقعه.
فكيف لنا أن نستغني بسهولة عن لغتنا التي تشكلت تجربتنا الإنسانية من خلال مكوناتها ومعطياتها اللفظية والدلالية؟ وهل يعي الداعون إلى إحلال اللغة الإنجليزية محل العربية انهم يدعون، قبل ذلك، إلى إحلال نمط آخر من التفكير في بنيتنا العقلية والعاطفية.
إننا لا نتكلم بلسان الآخر فقط إننا نفكر بعقله ونرى العالم من خلال ألفاظه، فالكلمات مشحونة بتجربة أصحابها مؤطرة برؤاهم مضمخة بعطرهم.
ولا يعني هذا الأمر أننا ضد تعلم لغات أخرى، بل على العكس نحن مع ذلك بشدة، وندعو له ونشجع عليه؛ لأننا مقتنعون أنّ الانفتاح على الآخر أمر ضروري وحاسم، وأنّ اللغة الأخرى - إنجليزية كانت أو فرنسية أو ألمانية، هي سلاح أساسي في عصر تعد فيه هذه اللغات بوابات للتواصل المعرفي والعلمي والتطوير والتنمية.
كما أنّ ذلك يتيح للمرء أن ينتقل بين أنماط مختلفة من التفكير وزوايا متباينة في رؤية الأشياء والعالم مما يجعله أكثر مرونة وتسامحا وأعمق فهما وإدراكاً.
ولكن تعلم لغة أخرى لا يعني الجور على اللغة الأم وهجرها والتقليل من أهميتها بل محاربتها أحياناً، ولا أظن أنّ هذا يحدث في أي بقعة من بقاع العالم، ولا أظن أنّ هناك دولة يتجه أبناؤها منساقين إلى نبذ لغتهم وتهميشها وإقصائها كما نفعل نحن مع لغتنا العربية.
لقد تجاوز الأمر حدودا تنبئ عن مزالق خطيرة وتتجه نحو الذوبان في الآخر، والغياب في محيط فكره ورؤيته؛ فقد بتنا نسمع بعض أبنائنا من الشباب والشابات من طلبة الجامعة يطالبون بأن يعاملوا كالأجانب.
وأن يدرسوا اللغة العربية المخصصة للأجانب، وأن يسقط عنهم عبء دراسة العربية المقررة على العرب أو أي مساق آخر يدرس باللغة العربية؛ لأنهم لا يعرفون العربية ويجهلونها تماما كما يجهلها الأجانب، بل إن بعضهم يصرح بأنه يكره اللغة العربية!
فهؤلاء العرب- الأجانب هل تكوّن معجمهم اللغوي وأسست ذخيرتهم اللغوية، بحيث أصبحت وسيلتهم لرؤية العالم وأداتهم للتعبير عنه من غير أن تمسّ كيانهم وعواطفهم ورؤاهم؟ وهل هي قضية كلمات وحروف ولغة معزولة عن كيان البشر وحياتهم وتاريخهم ورؤيتهم للأشياء والحياة؟ إنّ المسألة ليست بالبساطة التي قد يظنها كثير من الناس.
وقضية التخطيط للمستقبل لا تكون بخلط الأوراق على هذا النحو، ولا تكون بالجري اللاهث وراء معطيات التقدم العلمي والتقني وشروط سوق العمل من غير إمهال ولا إمعان بصر. ولا أريد هنا أن أتمثل بقول الشاعر العربي:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فإنني لا أدري أيأتي هذا الغد يوما؟ ويكفي في ختام هذا المقال أن أضع بين يدي القارئ قصيدة للشاعر الصقلي إجنازيو بوتينا التي يقول فيها:
ضع شعباً
في السلاسل
جردهم من ملابسهم
سد أفواهم لكنهم ما زالوا أحراراً
خذ منهم أعمالهم
وجوازات سفرهم
والموائد التي يأكلون عليها
والأسرّة التي ينامون عليها
لكنهم ما زالوا أغنياء
إن الشعب
يفتقر ويستعبد
عندما يسلب اللسان
الذي تركه له الأجداد
يضيع إذن إلى الأبد
إن اللغة العربية هي حاملة ثقافتنا وحضارتنا وبها نعبر من الحاضر إلى المستقبل حاملين جوهر تراثنا، ولن يكون لنا أي دور علمي أو ثقافي أو اقتصادي بغيرها، وما محاولات الإحلال إلا لعب في الوقت الضائع، فليس من أمة تطمح إلى أن يكون لها مكان تحت الشمس تهمل لغتها وتحاربها وتخرب بيتها بيديها، فماذا ننتظر بعد أن اتسع الخرق على الراقع ؟
جامعة الامارات