الفوز الاكتساحي الذي أحرزته «حماس» في معركة الانتخابات البلدية الفلسطينية يأتي في أعقاب الانتصار الانتخابي النسبي لتنظيم «الإخوان المسلمين» في مصر وقبل نجاح «الإخوان» و«حماس» كان ذلك النجاح المرموق الذي حققه «حزب الله» في الانتخابات اللبنانية.

لذا فإننا «نتفهم» شعور الرعب الذي انتاب مجلس النواب الأميركي مما دفع به إلى تبني قرار يؤكد عدم السماح لحماس في المشاركة في الانتخابات النيابية الفلسطينية المقرر ان تجري في 25 يناير.

ولم يكتف مجلس النواب الأميركي بذلك، فأتبع قراره بقرار تال ينص على «أن دخول حماس الحكومة الفلسطينية أو أي منظمة أخرى مدرجة في القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية ـ أي فصائل المقاومة ـ التي أعدتها وزارة الخارجية الأميركية على إعادة النظر في المساعدة المالية للفلسطينيين والعلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة».

هكذا تطبق الولايات المتحدة «مشروع الشرق الأوسط الكبير» لإشاعة الديمقراطية التعددية، فالنهج الديمقراطي المعتمد بمقتضى هذا المشروع هو رفض أي عملية انتخابية في الشرق الأوسط تأتي بجماعة أو منظمة تتعارض شعاراتها السياسية مع توجهات ومصالح الولايات المتحدة، بالإضافة الى التوجهات والمخططات الإسرائيلية.

واذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تأخذان على حماس وفصائل المقاومة الأخرى حمل السلاح في مواجهة الوجود الاحتلالي الإسرائيلي، فإن المغزى الذي يمكن استخلاصه من فوز حماس الانتخابي هو ببساطة ان الشعب الفلسطيني يؤيد مبدأ الكفاح المسلح.

ثم لماذا تعارض الولايات المتحدة أصلاً المقاومة المسلحة الفلسطينية إلى درجة دمغ منظمات المقاومة بالإرهاب علماً بأنها مقاومة يقرها القانون الدولي من حيث إنها تهدف إلى تحرير أرض من احتلال أجنبي؟

التاريخ القريب يروي لنا أن الولايات المتحدة نفسها دخلت في عملية تفاوضية جادة عند أواخر ستينات القرن الماضي وأوائل السبعينات مع الجبهة الثورية لتحرير فيتنام إلى أن انتهت تلك العملية التفاوضية بموافقة واشنطن على الانسحاب غير المشروط من الأراضي الفيتنامية.

حينئذ كان هنري كسينجر رئيس الفريق التفاوضي الأميركي يجلس في باريس مع «لي دوك تو» كبير المفاوضين الفيتناميين بينما كانت تتوالى ضربات قوات الثورة الفيتنامية المسلحة على القوات الأميركية في مسارح القتال على الأرض الفيتنامية.

أدبيات الصراع الدولي تقول لنا إنه لا تعارض بين المقاومة المسلحة والتفاوض السلمي في حالة الاحتلال الأجنبي، فالمقاومة المسلحة من جانب الثوار تتصاعد كلما أبدى الطرف الاحتلالي تعنتاً ما خلال العملية التفاوضية فتنتهي جولة تفاوضية.

وبعد ان يزداد تصاعد المقاومة فإن الخصم يعود إلى غرفة التفاوض وفي جيبه ورقة تنازل جزئي، وهكذا ينتهي الأمر أخيراً إلى إذغان القوة الاحتلالية ويتم تحرير الأرض.

هذا بالضبط ما لا تريد ان تراه الولايات المتحدة.. حتى لو منح الشعب الفلسطيني تفويضاً شرعياً للمقاومة الوطنية عن طريق الديمقراطية اللبيرالية.