مع اختتام قمة دول مجلس التعاون الخليجي أعمالها في أبوظبي يوم الاثنين الماضي برزت انتقادات حول عودة انشغال دول الخليج بالهاجس الأمني من جديد، واستمرار ضعف فاعلية المجلس في اتخاذ خطوات تعزز آليات تنسيق التكاملين الاقتصادي والسياسي.
وحقيقة رغم أن بعض هذه الانتقادات صحيح، إلا أن كثيرا من المتابعين يتناسون أن أحد أهم مسببات وموانع إنشاء مجلس التعاون كان الهاجس الأمني والتهديدات الخارجية.
فلقد جاء تأسيس المجلس استجابة لمجموعة من التطورات الاستراتيجية الإقليمية والدولية في الثمانينات والتي عجلت بتأسيس المجلس. وأهم تلك التطورات الثورة الإيرانية وتهديدات تصديرها لدول الخليج، ثم الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، وأخيراً اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية في سبتمبر 1980.
لذا كان لابد من مواجهة تلك التحديات والتهديدات بمزيد من التعاون المؤسسي، والذي تبلور في بيان الرياض في فبراير 1981 الصادر عن وزراء الخارجية لدول الخليج العربية.
والمعبر عن رغبة دولهم في إقامة كيان مجلس التعاون، ثم تبع ذلك اجتماع مسقط في مارس 1981، وتلى ذلك اجتماع إعلان تأسيس المجلس والمصادقة على النظام الأساسي في مؤتمر قادة دول مجلس التعاون في أبوظبي بتاريخ 25 مايو 1981.
ويبدو أن قادة المجلس تجنبوا وضع أهداف أمنية واستراتيجية للمجلس، لكي لا يساء تفسير طبيعة المجلس على أنه حلف عسكري ضد الدول المجاورة، وتم توسيع طبيعة أهداف المجلس لتشمل التركيز على التنسيق والتعاون في جميع الميادين، ولذا غلبت على المجلس صفة التنظيم الإقليمي.
وعلى الرغم من ذلك نلاحظ أن دور المجلس في التعاون الأمني والاستراتيجي كان كبيرا منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية، ثم في دعم الكويت خلال الغزو العراقي في عام 1990، وأخيراً في عودة التنسيق والتعاون لمواجهة التهديدات الإرهابية أو تحديات الملف النووي الإيراني.
وفي تقديرنا أن نجاح دول مجلس الخليج في التعاون الأمني والاستراتيجي يعود لإحساسها العميق بأن سوء التقدير في الجانب الأمني قد يكون له تداعيات ونتائج وخيمة على استقرار المنطقة ودولها.
أما ما يتعلق بالانتقادات حول ضعف فاعلية مجلس التعاون في اتخاذ خطوات سريعة لإنجاز مشروع التكامل الاقتصادي، خاصة الانتقال لمرحلة الوحدة النقدية، فيبدو أن ذلك يعود لجملة من الاعتبارات المتصلة بالجانب التنظيمي وآلية اتخاذ القرارات،.
حيث تتركز عملية اتخاذ القرارات في المجلس الأعلى في معظم الموضوعات، ليس فقط الموضوعات السياسية والاقتصادية، بل وحتى القضايا الاجتماعية والثقافية والصحية وغيرها. علاوة على أن مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات والتوصيات في المجلسين الأعلى والوزاري يعيق فاعلية المجلس، لأن ذلك عملياً يعطي كل دولة حق الفيتو.
وأخيراً فإن ضعف دور الهيئة الاستشارية (والتي يفترض بها أن تقوم بدور التمثيل الشعبي)، شل مبادراتها في دفع مطالب المجتمعات الخليجية المنادية بتعزيز أسس التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي بين دول المنطقة.
ولكن وبالرغم من الانتقادات على المبالغة في الهاجس الأمني والقيود التنظيمية التي تعيق زيادة فاعلية مجلس التعاون، لابد من الإشارة إلى بعض نجاحات الأداء السياسي والاقتصادي للمجلس، والتي من أهمها:
استمرار مسيرة التعاون والتشاور والاجتماعات طوال الربع قرن المنصرم، فرغم حدوث بعض الخلافات بين بعض الدول الخليجية، فقد استمرت مؤتمرات المجلس الأعلى، واجتماعات المجلس الوزاري واللجان الفرعية في الانعقاد والتداول والتشاور، الأمر الذي يؤكد رغبة دول مجلس التعاون في استمرار مسيرة العمل الجماعي المشترك.
إضافة إلى ذلك أسهمت أعمال اجتماعات دول مجلس التعاون في بلورة مواقف ورؤى سياسية متماسكة، والتنسيق بين الدول الأعضاء تجاه جملة من القضايا في مواجهة التهديدات الإقليمية بما في ذلك دعم الكويت خلال الغزو العراقي، كما أنجزت دول الخليج خطوات كبيرة نحو التكامل الاقتصادي بإنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي.
ووضع بعض المعايير للوحدة النقدية المقبلة. لذا فإن تباطؤ المسيرة الخليجية أحياناً، أو انغماسها في المعضلة الأمنية، يجب أن لا تفقدنا الحكم الموضوعي عليها، بأنها أفضل تجربة للتكامل والتعاون العربي في العصر الحديث.
ومع ذلك كله تبقى الآمال كبيرة في مزيد من تعزيز العمل الخليجي المشترك، والذي يتطلب الإرادة السياسية القوية، مع العمل على تطوير مؤسسات مجلس التعاون، وتحديث آليات اتخاذ القرارات لتكون بالأغلبية، فضلاً عن زيادة التمثيل الشعبي بإنشاء برلمان خليجي يمثل أبناء الخليج العربي.
كاتب سعودي