لاشك أن دولة الإمارات تشهد بوادر مرحلة مختلفة، فبشائر هذه المرحلة بدأت في الظهور على السطح، وهي تؤذن بأوضاع جديدة تحتم علينا التفكير الجاد في نقد السلبيات، وتكريس الإيجابيات، واستباق ماهو آت باستعداد وتخطيط.
وقد فتح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» الباب أمام هذا النوع من التفكير، عندما أعلن القرار الأخير في الذكرى «34» لعيد الاتحاد، بانتخاب نصف أعضاء «المجلس الوطني الاتحادي» من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع، وتعيين النصف الآخر، فبهذا القرار تتحول دولتنا الاتحادية تحولاً جديداً في سلسلة تحولاتها المستمرة، كما أشرنا في مقالات سابقة.
ومن الملاحظ أن هذه المرحلة الجديدة لا تزال غير واضحة المعالم، فما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في المرشحين؟ هل الدستور الحالي ملائم لطبيعة مجلس وطني اتحادي منتخب؟
أم لابد من تعديل الدستور؟ وما طبيعة عمل المجلس الجديد؟ وما هي سلطاته؟ وماهي الآليات التي سوف تحكم عمله؟ وما طبيعة علاقته بالحكومة والقيادة السياسية؟ بل ماطبيعة علاقته بالسلطة القضائية؟ وهل بإمكانه إقالة الحكومة أو إقالة وزير؟
هل هو مجلس استشارات أم مجلس تشريع؟ هل قراراته ملزمة للحكومة؟ أم هي مجرد مقترحات؟ هل يتقاضى أعضاء «المجلس الوطني» لقاء خدماتهم بدلاً يحدده القانون، ويدفع من خزانة الدولة؟
هل لهم في جميع الحالات، ما عدا حالات الخيانة والإخلال بالأمن والجنايات، ان يتمتعوا بامتياز عدم اعتقالهم أثناء حضورهم جلسات «مجلسهم الوطني»، وفي ذهابهم إلى ذلك «المجلس» وعودتهم منه، وأي خطاب يلقى أو مناقشة تجرى. هل لا يجوز لأي «عضو» ان يعين، خلال الفترة التي انتخب لها، في أي منصب مدني خاضع لسلطة الدولة؟
ومن الواضح ان بعض هذه الأسئلة السابقة، لا تكتسب منطقيتها، إلا إذا كان الانتخاب مباشراً، أما إذا جاء المجلس الوطني الاتحادي عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس لكل إمارة وتعيين النصف الآخر، وليس بالاقتراع الشعبي المباشر، أي إذا تم تشكيل مجلس انتخابي مصغر يتم اختياره من أعيان ووجهاء تختارهم الإمارات السبع ويختار هذا المجلس بدوره نصف الأعضاء «الأربعين» الذين يشكلون «المجلس الوطني الاتحادي» ®.
نقول في هذه الحالة لابد أيضاً من طرح الأسئلة التي ذكرناها في حالة الانتخاب المباشر مع شيء من التعديل يتلاءم مع الانتخابات غير المباشرة، على ان تكون هذه الانتخابات مرحلة أولى باتجاه البدء بتنظيم انتخابات وطنية وشعبية بالاقتراع المباشر.
لكنا لنفترض ان الانتخابات سوف تأتي بالاقتراع المباشر، هنا نجد ان كل تلك الأسئلة وغيرها بحاجة إلى إجابات، حتى تتضح الرؤية التي سوف تحكم المرحلة الجديدة من عمل «المجلس الوطني»، بما يمثله هذا «المجلس» من قناة فعالة تحكم يجب ان تعبر عن جموع المواطنين بمختلف طبقاتهم وشرائحهم الغنية والفقيرة والمثقفة والبسيطة.
نعود ونقول ان هذه مجموعة من الأسئلة الحائرة والملحة، تحتاج إلى إجابات، وكنوع من المشاركة من مواطن إماراتي يؤمن بوطنه، ويؤيد قرار «رئيس الدولة» الأخير، فإننا سوف نجتهد لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة كجزء من المشاركة السياسية.
وهي محاولة محفوفة بالمخاطر ومعرضة للنقد، لكننا سوف نحاول، لكي نفتح باب النقاش حول الموضوع، فإن تحقق هذا الهدف، فإنه سوف يكون جل ما نطمح إليه.
لا سيما وأن المواطنة الحقة تحتم مشاركة المواطنين التفكير مع قياداتهم السياسية في مصير وطنهم، القيادات السياسية التي تثبت حرصاً دائماً على التحديث وعلى فتح باب المشاركة. ولولا حرصها هذا، ولولا ما تتمتع به من أفق واسع وعقل فعال، لما كان هذا المقال، بل لما كانت كل المقالات السابقة.
فالجو الفكري والسياسي النقي الذي أوجدته القيادة السياسية هو العامل الرئيسي الذي يشجع كل المثقفين والمفكرين لكي يساهموا مساهمة فعالة في مستقبل هذا البلد العزيز والمتأصل في وجداننا.
وتحقيقاً لهذا فإننا سوف نحاول تقديم بعض الإجابات عن بعض هذه الأسئلة أحياناً، وفي أحيان أخرى نقوم فقط بنوع من التحليل الذي نرجو أن يسمح بتوضيح جزء من الرؤية.
وفيما يتعلق بالسؤال الأول، نعني سؤال: ما هي الشروط التي يجب ان تتوفر في المرشحين؟
فإننا نعتقد أن المرحلة الجديدة تستلزم ضرورة الاعتماد على التقرير السياسي المدرك لطبيعة المرحلة التي تمر بها دولة الإمارات، وطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية، وطبيعة المرحلة التي تشهدها الساحة السياسية الدولية.
فلابد من مراعاة كل تلك الظروف في وضع شروط الترشيح لعضوية «المجلس الوطني»، ووضع شروط الانتخابات؛ فلا شروط متشددة تغلق الباب أمام القوى الوطنية الإماراتية المتنوعة، ولا شروط متساهلة تفتح الطريق لغير المؤهلين لهذه المهمة الوطنية. وقل مثل ذلك في شروط الانتخابات، نعني شروط التصويت.
ومن ثم يجب مراعاة شروط تضمن أن يكون المرشح ممثلاً للمجتمع دون استثناء أو لشريحة أساسية منه لا يمكن تجاهلها. كما يجب أن يكون المرشح حاصلاً على قدر جيد من التعليم يتلاءم مع طبيعة ما وصلت إليه الإمارات في هذا المضمار، فلا يعقل مثلاً أن يكون المرشح أمياً.
إن المستوى التعليمي ضرورة قصوى في مثل هذا العصر الذي نعيش فيه عصر العولمة والتفاعل الدولي والصراع المحموم بين قوى الخير والشر، لا سيما تقدم درجة تأثير الأحداث العالمية على الأوضاع الداخلية؛ وذلك حتى لا يتحول «المجلس الوطني المنتخب» إلى مجلس معزول عما يحدث في العالم.
ومن الضروري اشتراط أن يكون كل متقدم للترشيح له برنامج سياسي اجتماعي واقتصادي، بعيداً عن الشعارات الخطابية الرنانة والتشنجات الفكرية المتعصبة.
وربما يمكن اشتراط سن معين، وفي هذه الحالة لا ينبغي غلق الباب أمام أجيال الشباب، فدماء الشباب لابد أن تسري في هذا «المجلس الجديد»؛ فهم الركن الركين بما يمثلونه من طموح وحماس ويعبرون عن اتجاهات العصر. ومن هنا لا مناص من مساهمتهم في شؤون الوطن والمشاركة في همومه والبناء لمستقبله.
ولا يجوز أن يحرم مواطن الدولة ممن بلغوا سن الرشد وما فوق، من حق الانتخاب، أو تنتقص لهم منه بسبب العمر. أما حق الترشيح فيمكن أن يكون «25» مثلاً. ومن المعروف أن حق الانتخاب غير حق الترشيح.
ولابد أن يكون رأيهم بجوار رأي أهل الحكمة من الشيوخ الذين عاصروا كل مراحل التطور الإماراتي الحديث.
كما يمكن أن يتم النقاش حول شروط السمعة والالتزام الأخلاقي للمرشح، وما هو معيار ذلك في القانون، فمثلاً لابد أن تكون صحيفة الحالة الجنائية سليمة الجانب، أي يكون المرشح لم يقترف جريمة مخلة بالشرف.
ويمكن الحديث أيضاً حول عدم السماح للجيش أو الشرطة أو الهيئات القضائية بممارسة العمل السياسي، ضماناً لحياد هذه الجهات، وعدم تدخلها في سير العملية الانتخابية. وحتى لا يتأثر أي منها في عمله أو أحكامه بالانحياز السياسي أو التعصب لتيار ضد تيار آخر... الخ.
ومن ثم لا يجوز لأي عضو من أعضاء الهيئات القضائية أو الجيش أو الشرطة أو حتى السلك الدبلوماسي الترشح لهذه الانتخابات إلا إذا خرج من وظيفته الاتحادية. وهذا تقليد معمول به في كثير من البلدان الديمقراطية.
ومن الواضح أن كل هذا الحديث السابق ـ كما سبق الإشارة في مطلع المقالة ـ لا يكتسب منطقيته، إلا إذا كان الانتخاب مباشراً.أما إذا جاء المجلس الوطني الاتحادي عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس لكل إمارة.
وليس بالاقتراع الشعبي المباشر ـ نقول في هذه الحالة لابد أيضاً مراعاة الشروط التي ذكرناها في حالة الانتخاب المباشر مع شيء من التعديل يتلاءم مع الانتخاب غير المباشر، على أن تكون هذه الانتخابات خطوة تمهيدية أولية باتجاه البدء بتنظيم انتخابات برلمانية بالاقتراع المباشر باعتبارها أعلى درجة في التعبير عن مختلف القوى الوطنية الغنية والفقيرة رجالاً كانوا أم نساءً، وتعبيراً عن حق المواطنين البسطاء في اختيار ممثليهم والمعبرين عن مصالحهم.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات