أخذت الرئيس بوش نيّف وألف يوم على غزو العراق، كي يكتشف بأن المعلومات الاستخباراتية التي بنى عليها قراره الحربي كانت منقوصة وغير صحيحة، ولكي يعترف صراحة وبدون التباس بأن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار!

كما أخذته حوالي 4 سنوات ليعلن، على الملأ، بأنه قام، بعد أحداث 11/9، بإعطاء الأوامر لجهاز الأمن القومي، ليمارس التنصت على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني لأشخاص ـ في الولايات المتحدة ـ «معروفين بإقامة علاقات مع تنظيم القاعدة»!

في الاعترافين بدا الرئيس الأميركي وكأنه يعترف ـ ولو مواربة ـ بارتكاب خطأ. إن لم نقل خطيئة. وربما أراد من ذلك ان يقول بأن «الاعتراف بالخطأ فضيلة».

صحيح. الاعتراف بالخطأ فضيلة: حتى ولو كان من باب الاضطرار، كما هي الحال مع الرئيس بوش. لكن شرط أن يأتي ذلك بالتزامن مع الإدراك بأن هذا الاعتراف جاء متأخراً وبأنه تترتب عليه مسؤوليات ومساءلات. والأهم ان يكون التسليم العلني بحصول هذه الممارسات ـ الانتهاكات، بمثابة التعهد الضمني بأن لا يتكرر مثل هذه الأخطاء الفادحة.

أي أن يكون عبرة يقتدى بها. وبالذات من جانب هذه الإدارة الأميركية. بذلك وحده يكون للإقرار فائدة. وفي هذا الجانب فقط تكمن ايجابيته. وإلا تحول الإقرار إلى وسيلة لنيل مغفرة، تكون بمثابة رخصة للرئيس بوش لمواصلة سياساته.

العالم كله أدرك، منذ البداية، بأن الحرب كانت قفزاً فوق الأمم المتحدة والقانون الدولي وكانت انتهاكاً مموهاً لها، والأميركيون رأوا ان التنصت عليهم كان ومازال انتهاكاً لحقوقهم المدنية والسياسية، التي يحميها القانون ويكفلها الدستور. الحرب جرى التعبير عن الاعتراض عليها بطرق ومواقف عديدة.

بدأت بالتظاهرات التي شملت يومذاك معظم مدن العالم، وانتهت برفض المشاركة من جانب العديد من الدول، في القوات التي دخلت العراق، مروراً بالممانعات الأوروبية وخاصة الفرنسية والألمانية، لسياسة الحروب والاستفراد التي اعتمدتها إدارة بوش، والكلفة كانت كبيرة ليس فقط على مستوى التورط العسكري، بل أيضاً على مستوى الأمم المتحدة وتعطيل دورها في النزاعات الدولية.

كذلك فضيحة التجسس أثارت ضجة لم تهدأ بعد، بل هي مرشحة للتفاعل، على الصعيد الأميركي، وبالذات على صعيد الكونغرس، الذي سارع بعض أركانه إلى التلويح بفتح تحقيق حول مثل هذا التطاول على الحريات العامة، في الولايات المتحدة، وهنا لابد من التنويه بدور الإعلام الأميركي الذي كشف موضوع التنصت «جريدة نيويورك تايمز»، كما سبق له وقام بفضح ممارسات التعذيب في سجن «أبو غريب» وغيره.

المفيد في ما باح به الرئيس بوش، خلال الأيام الأخيرة، إنه قطع الجدل حوله، الناقص إنه لم يضع ما حصل في خانة الخطأ، واستطراداً لم يعرب عن نيته في إصلاح مثل هذا الخطأ. على العكس بدا وكأنه رمى ما فعله في خانة الأمر الواقع المطلوب قبوله على علاته. بل الأمر الواقع الذي ينوي عدم التراجع عنه. وهنا مكمن التخوف من هذه المقاربة.