المؤشرات الأولية للانتخابات البرلمانية العراقية تعكس بالضرورة حالة النسيج الاجتماعي والخريطة السياسية للشعب العراقي الذي ما يزال يثبت كل يوم قدرته وتصميمه على صون وحدته الوطنية والترابية رغم كل المحاولات التي تستهدف تلك الوحدة وتسعى الى تقسيم العراق على خلفيات مذهبية وعرقية وحسابات قديمة وحديثة.

الكلام حول نسب التمثيل داخل المجلس النيابي لا يعني وجود منافسة بين الشيعة والسنة للاستحواذ على اغلبية مقاعد المجلس من منطلق تناقض المصالح او اختلاف المقاصد، فمشروعية التمثيل للشرائح المختلفة او الاحزاب المتبارية جزء من العملية الديمقراطية، وفي حال العراق فان جميع الاطراف تعرف انها في سفينة واحدة وان عليها التغلب على الانواء والوصول بالشعب العراقي الى بر الأمان.

العراقيون هم العراقيون بغض النظر عن الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية التي تعايشوا معها منذ زمن بعيد وهي لم تكن خافية عليهم أو انها برزت فجأة لتثير الحساسيات والضغائن خاصة وان النظام السابق لم يكن لا سنيا ولا شيعيا بالمعنى الحرفي وقد عامل الجميع على اساس اما انهم مع النظام أو ضده ولذلك لا يوجد ما يستوجب تصفية حسابات قديمة مثلا على اثر انهيار ذلك النظام، فالعراقيون كلهم عاشوا نفس الظروف وذاقوا مرارة الفترات التاريخية الصعبة نتيجة الاوضاع الداخلية والخارجية على حد سواء وسلسلة الحروب التي كلفتهم الكثير في الأنفس والاموال وأوصلت العراق الى ما هو عليه اليوم.

لا بد من نقطة بداية الان تضع الماضي وراء الظهر وتنظر الى المستقبل من خلال التمسك بالوحدة الوطنية، وستكون مسؤولية المجلس البرلماني اساسية في ارساء علاقات تضامنية بين اعضائه لان نجاحهم في جعل المجلس مكانا للتوافق الوطني سينعكس ايجابيا على المجتمع العراقي وهيئاته ومؤسساته الحكومية والاهلية، ونحن لا نظن ان هذه المسألة الهامة يمكن ان تغيب عن بال ممثلي الشعب العراقي ولكن وجود نوايا شريرة تجاه العراق من قوى موجودة في المنطقة يدفعنا الى التذكير بذلك الواجب المقدس.

من الواضح الان ان العراق يتقدم الى الامام في نطاق عملية سياسية منظمة الى حد بعيد، ووجود القضية الامنية التي تخلط الاوراق وتعيق تلك المسيرة بحاجة الى معالجة حثيثة، وقد يكون جانب من تلك المعالجة سياسيا، وهذا يفسر الدعوة التي صدرت عن الرئيس العراقي جلال طالباني مرات عديدة مؤخرا باجراء حوار مع قوى المقاومة »غير الارهابية« لاستيعابها ضمن تلك العملية.

ومن المتوقع طبعا ان القيادات العراقية تعرف طريقها للوصول الى تلك القوى ولا تعدم وسيلة الاتصال بها، ولكن المسألة معقدة طبعا وتحتاج الى جهود كبيرة وربما مضنية ولكن وجود نية حسنة لكسب جميع الأطياف العراقية كي تساهم في بناء العراق الجديد سيوسع من قاعدة الوفاق المأمولة.

مهما كانت نتائج الانتخابات من حيث طبيعة وحجم التمثيل حسب القوائم التي وصمت بانتماءاتها المذهبية، فان كل نائب سيدخل الى المجلس هو عراقي اولا وقبل كل شيء، والدلائل تشير بعد كل هذه المكابدة التي تحملتها جميع الاطراف الى ان القيادات العراقية واعية بما فهي الكفاية لكي تجنب الشعب العراقي الانقسام والتشرذم.

كما أن تجربة الحكم التي وضعت على رأس الدولة رئيسا عراقيا من اصل كردي تدل على ان الوطنية العراقية أكبر من ان تصغر امام الطائفية والنزعات العرقية الآخذة في التلاشي بعدما ثبت بالوجه القطعي ان البديل هو الحرب الاهلية والخراب والدمار، ومن يريد مثل هذا الخيار؟