جسدت قمة أبو ظبي في ختام أعمالها أمس قدرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية على تجاوز العقبات الداخلية والخارجية، وتطوير آلياته بالقدر الذي يتيح له مواكبة التغيرات الإقليمية والدولية.
ويوفر له فرص الاستمرار ككيان للعمل العربي المشترك، دون انقطاع عن بيئته ومحيطه العربي، بوصفه حلقة ضمن حلقات أوسع وأشمل وليس بديلاً عن الإطار العام للنظام العربي، وإنما دافع لقاطرة التعاون والتضامن العربي التي يحرص كثيرون على بقائها معطلة ورابضة لا تتحرك في محطة الفرقة والتشرذم والانقسام.
أول مظاهر نجاح القمة في تدشين الانطلاق نحو المستقبل يتمثل في استلهام عبر ودروس ميلاد مجلس التعاون منذ ربع قرن في أبوظبي، والذي جاء رداً خلاقاً على مجمل التحديات في حقبة انكسار موجة العمل العربي المشترك، تحت ثقل حالة الانقسام العربي، وتجميد عمل معظم مؤسسات الجامعة العربية، أو دورانها في فلك الاستقطاب القطري، وخفوت الصوت القومي، وبروز يد التدخل الأجنبي.
وبدا جلياً أن ميلاد المجلس وانعقاد قمة أبوظبي منذ ربع قرن كانا محاولة حكيمة للحفاظ على الحد الأدنى من التضامن العربي، استناداً لخلو دول الخليج العربية من أسباب الفرقة، وضرورة قيامها بواجبها دفاعاً عن بقاء الرابطة العربية، كخطوة لاسترجاع دور النظام العربي وتعافيه من أمراض التشرذم، وهو ما تحقق بعدها بأعوام قليلة بعودة مصر إلى دورها، وتجاوز عثرة الانقسام.
اليوم تعود أبوظبي لإحياء درس الوحدة والتضامن والعودة إلى المنابع والنظر إلى الداخل، وتؤكد في البيان الختامي لقمة فهد وفى إعلان أبوظبي على ضرورة الاعتماد على الكوادر البشرية والذات لبناء مستقبل مزدهر، والتركيز على تلبية حاجات ورغبات المواطن الخليجي، وترجمة القرارات في صور حياتية ملموسة تجسر الفجوات وتقرب بين الجميع وتشعرهم ان المجلس يبقى لأجلهم، ويستمر بهم.
وتتجلى هذه النظرة في القرارات الاقتصادية التي تسعى لتسريع قيام سوق مشتركة، وتوحيد السياسة التجارية الخارجية الخليجية، وإلغاء بعض الرسوم الجمركية، وخطوات جادة لإنشاء سكك حديدية تربط دول المجلس.
على المستوى السياسي، يجيء الخطاب الخليجي منسجما مع الخطاب العربي في مجمله من حيث إدراك حجم التحديات والمخاطر، والتفرقة بين ما هو خطر رئيسي وآخر ثانوي، ومن هنا جاءت الدعوة إلى العراقيين بالحفاظ على وفاقهم الوطني ووحدة وطنهم.
وبالمثل دعوة اللبنانيين إلى نبذ الفرقة والانقسام، وتأكيد إدانة الاغتيالات السياسية.الخلاصة أن قمة فهد جسدت خطاباً خليجياً يتمسك بالسلام ويدعو لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل.