يشير تاريخ الفكر السياسي إلى أن قدماء اليونان اخترعوا تعبير الديمقراطية ليصف نظام حكم سياسي استهدف قيام الشعب بحكم نفسه بنفسه. إلا أن تطبيق ذلك المفهوم في حينه أدى إلى استيلاء طبقة «الأحرار» على الحكم وقيامها بالسيطرة على طبقة العبيد والتحكم بهم.

ولقد انتقلت تلك الفكرة للغرب من خلال العرب الذين قاموا بترجمة التراث اليوناني وتقديمه مع تراثهم الفكري والفلسفي للعالم أجمع. وبسبب عدالتها وجاذبيتها، فإن الفكرة الديمقراطية كانت إحدى أهم الأفكار التي اقتبسها الغرب وقام بتأسيسها كنظام حكم سياسي اكتسب مع الأيام شرعية غير منقوصة.

ولقد تبع ذلك قيام الغرب في العصور الحديثة بتطوير مفهوم الديمقراطية وغيرها من أفكار خلاقة وعلوم وتوظيفها لتحقيق نهضة سياسية وثقافية واجتماعية شاملة.

وبسبب نجاح تلك الفكرة والنظام المؤسس عليها في حماية الحريات العامة وتحقيق قدر كبير من العدالة الاجتماعية وتمكين الشعب من تنصيب نفسه مصدرا رئيسيا للشرعية السياسية، فإن النظام الديمقراطي أصبح مطلبا أساسيا للشعوب المختلفة، خاصة الشعوب التي عانت كثيرا وطويلا من أنظمة الحكم الفردية والشمولية.

وهذا يعني أن الديمقراطية كفكرة اجتماعية ونظام حكم سياسي لم تكن أساسا من صنع الغرب الرأسمالي، وأن ميلادها سبق الإسلام وظهور الدولة القومية والثورة الصناعية والنظام الرأسمالي بكثير، وأن العرب عرفوا تلك الفكرة إبان عصر نهضتهم الثقافية في العصور التي تلت انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية.

وحيث إن العرب، كغيرهم من الشعوب والأمم، كانوا قد اقتبسوا الكثير من الكلمات والتعابير العلمية عن الآخرين، فإن كلمة الديمقراطية، وعلى الرغم من أصلها اليوناني، ليست غريبة عن اللغة العربية، بل هي جزء من مفرداتها المتداولة منذ زمن بعيد.

ولقد أدى اهتمام العرب بالغرب وانجازاته السياسية وغير السياسية، خاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى تبني مفهوم الديمقراطية وجعله أحد أبرز مفردات الخطاب السياسي العربي الحديث.

إن التوجه الغربي إلى تأسيس نظم حكم ديمقراطية تتيح للشعب المشاركة الفاعلة في الحكم من ناحية، واعتماد الشعب مصدرا وحيدا للشرعية من ناحية ثانية، بدأ بعد نجاح حركة الإصلاح الديني في تقويض هيمنة الكنيسة على نواحي الحياة في حوالي منتصف القرن السابع عشر.

إذ إن تخوف الشعوب الأوروبية من احتمالات قيام الدولة القومية الحديثة بمصادرة سلطات الكنيسة والاستيلاء عليها واستخدامها للسيطرة على الشعب ومصادرة حرياته دفع تلك الشعوب إلى اعتماد نفسها مصدرا لكل السلطات، بما في ذلك سلطة اختيار الحكام وتحديد صلاحياتهم وتغييرهم دوريا وكلما اقتضت الحاجة.

ولقد نتج عن ذلك إقامة نظم حكم مرنة تتمتع بدرجة كبيرة من الانفتاح والرغبة في تحقيق المطالب الشعبية ومراعاة الأوضاع الثقافية والخلفيات التاريخية للشعوب والتطورات المتتابعة في معطيات الحياة السياسية وغير السياسية.

وليس هناك من شك في أن قيام الثورتين الأميركية والفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر كان الحدث الأهم في حياة الديمقراطية كنظام حكم سياسي، وفي حياة الشعوب الغربية عامة.

والتي تحررت في ظل الديمقراطية من الظلم السياسي والكبت الاجتماعي والهيمنة الكنسية وانطلقت نحو تفجير الطاقات الكامنة لبناء صرح أهم حضارة في التاريخ الإنساني.

إن تأسيس نظم الحكم الديمقراطية والاعتراف بالحقوق الأساسية للفرد والأقليات الثقافية والدينية في المجتمع أدى، ودون وعي تقريبا، إلى تأسيس الديمقراطية كقيمة اجتماعية وترسخها في الثقافة الشعبية وفي النفوس. ويعتبر في تقديرنا نجاح الديمقراطية كقيمة ثقافية - اجتماعية وموقف قيمي من الغير أهم انجازات الفكرة الديمقراطية على الإطلاق.

وهو النجاح الذي حال دون عودة أنظمة البطش إلى الحكم في الدول التي تبنت الديمقراطية، وإلى استمرار تلك الأنظمة على الرغم من تكرر حالات الفشل في الكثير من الأحيان، والقيام دوما بتصحيح الأخطاء وتجاوزها.

وهذا يعني أن الفشل الذي أصاب بعض الأنظمة الديمقراطية والانتكاسات الكثيرة التي مرت بها لم تكن كافية أو سببا لفقدان الثقة بالنظام الديمقراطي على علاته، بل كانت مؤشرا على فشل بعض الحكام ودعوة متجددة للعمل على استبدال الفاشلين بغيرهم، وذلك باستخدام الآلية الديمقراطية التي أصبحت عماد العملية السياسية في المجتمع الديمقراطي.

وفي الواقع، كان تأسيس الفكرة الديمقراطية كقيمة اجتماعية السبب الرئيس الذي قاد إلى تسمية المجتمعات الغربية عموما «المجتمعات الديمقراطية»، أي المجتمعات التي تؤمن بالفكرة الديمقراطية كجزء من الثقافة السائدة وتقوم بتطبيقها كنظام حكم.

ولقد تبع تأسيس الديمقراطية كقيمة اجتماعية ـ ثقافية إلى إرساء مبادئ التسامح وتكافؤ الفرص بين المواطنين واحترام حريات وآراء الآخرين، بل والدفاع عن حق الآخر في التعبير عن آرائه والعيش كما يريد ضمن معايير مجتمعية تقرها الأنظمة الديمقراطية.

وهذا جعل الديمقراطية تتطور بسرعة لتصبح إطارا مجتمعيا للتفاعل الخلاق بين الآراء والأفكار المتباينة، ومسلكية فردية وجماعية تقوم على الاعتراف المتبادل بحق الغير وحرياته، وسياجا منيعا لحماية الحريات العامة ومقاومة الهجمات المعادية لمفهوم مشاركة الشعب في الحكم .

إن قيام الشعب بممارسة الديمقراطية كنظام حكم وقيمة اجتماعية استوجب الاعتراف بحقوق فردية وجماعية محددة، وقاد إلى إدراك عدة حقائق حياتية ومفاهيم ثقافية جديدة لم تكن مألوفة أو معروفة من قبل.

وبالنظر إلى المجتمعات الديمقراطية عامة نلاحظ أن الفكرة الديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي أصبحت منهج تفكير ومسلكية اجتماعية وموقفاً قيمياً، أي فلسفة مجتمعية تقوم على مجموعة من القيم والتقاليد والمواقف والمؤسسات، والتي تشمل ما يلي:

1 ـ الاعتراف بحق كل أفراد الشعب وفئاته الاجتماعية والثقافية بالمشاركة في الحكم وإبداء الرأي بحرية تامة.

2 ـ الاعتراف بتباين مصالح مختلف الأفراد والجماعات واحترام ذلك التباين والإقرار بشرعيته.

3 ـ الإقرار بحق كل الأفراد والجماعات في الترويج لأفكارها والدفاع عن مصالحها بحرية تامة من خلال المؤسسات الديمقراطية وبالطرق السلمية.

4 ـ الإقرار بأن الحرية الفردية وتكافؤ الفرص والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية هي أساس العملية الديمقراطية، وأن الممارسة الديمقراطية هي الترجمة العملية المؤسسية لمبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص في المجتمع.

أما الحريات العامة التي تم الاعتراف بها وإقامة المؤسسات الديمقراطية على أساسها فتشمل:

1 ـ حرية الرأي بالتركيز على البعد السياسي.

2 ـ حرية العبادة والعقيدة بالتركيز على البعد الديني.

3 ـ حرية أو حق التملك وممارسة الأعمال التجارية والمهنية بالتركيز على البعد الاقتصادي.

4 ـ حرية اختيار طريقة الحياة ونوعية العلاقات مع الغير بالتركيز على البعد الاجتماعي.

إن فهم الديمقراطية على هذا النحو جعل من غير الممكن تطبيق الفكرة الديمقراطية وممارستها دون إقامة المؤسسات السياسية وغير السياسية والتنظيمات المجتمعية التي تكفل مبادئ الحرية والعدل وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون.

وهذا بدوره جعل من غير الممكن قيام تلك المؤسسات والتنظيمات بدورها في المجتمع دون غرس الفكرة الديمقراطية كقيمة اجتماعية - ثقافية في نفوس الناس وفي قوانين ونظم المؤسسات المجتمعية التي يعملون من خلالها.

إن سعي الديمقراطية الدؤوب لإقامة نظم حكم سياسية تمكن الشعب من حكم نفسه بنفسه استدعى قيام تلك النظم بإسناد كافة السلطات للشعب، اي جعل الشعب مصدر السلطات جميعا.

وحيث ان الديانة الكاثوليكية كانت قد اتجهت في حينه إلى جعل الدين وتعليمات رجال الكنيسة المصدر الأساس للشرعية، فإن ممارسة الديمقراطية استوجبت فصل الدين عن الدولة.

وبالرغم من تراجع دور الدين في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمعات الغربية، إلا أن الدين استمر كمصدر مهم من مصادر التشريع في المجتمع.

كما استمرت المؤسسة الدينية وتعاليمها الخاصة إطارا مرجعيا لصياغة وتوجيه نظم القيم والعلاقات الاجتماعية في حياة كل المجتمعات، الديمقراطية وغير الديمقراطية. وفي الواقع، وإن قامت الديمقراطية بتحديد دور الدين في المجتمع، إلا أنها قامت أيضا بتوفير المناخ المناسب لقيام الديانات بممارسة عباداتها وانشطتها المختلفة .

professorrabie@yahoo.com

أكاديمي أميركي من أصل عربي