البحث عن قتلة جبران تويني الذي فجع به كل محبي الحرية، كالبحث عن قتلة الحريري، الفاعلون معلومون مجهولون في آن. فالبحث عن الفاعل المنفذ هو ليس البحث عن المستفيد المحرض، وحتى لو تم معرفة المنفذ لن تستطيع العدالة أن تضع يدها على المحرض والمخطط.

تلك حقائق سنة الدم والدموع اللبنانية الحزينة، التي قتل فيها عنوة أو تمت محاولة الاغتيال على كوكبة من الرجال والنساء في لبنان، بسبب واحد أنهم جميعاً يشتركون في تهمة طلب الحرية لبلدهم.

الصديق الذي أخبرني أن جسم صديقنا جبران قد انتثر على أرض المكان دون أن يكون هناك التصاق عظم بلحم، كان يستهول بشاعة عملية القتل، إلا أن الحقيقة هي أن أي قتل بسبب طلب الحرية هو عمل بشع.

لماذا جبران ولماذا لبنان؟

اغتيال جبران ومعظم رفاقه الذين سبقوه هو من قبيل تنفيذ سياسة (بتر السبابة والإبهام) تغليب صوت المتفجرات الأرعن على صوت العقل المميز للإنسان، محاولة حجب النهار بغمامة سوداء منطلقة من صاعق التفجير، محاولة تغليب الظلم على العدل، والقهر على الحرية. وما تواجه الظلم مع العدل أو القهر والحرية إلا وكانت الغلبة للنهار.

حقيقة الأمر أن أي لبناني نشط كسوية جبران تويني مهدد من رجال الظلام، وهم رجال منتشرون في لبنان أولا، قد يأتمرون بأوامر خارجية، وقد ينطلقون من قناعات أصبحت ثابتة في مخيلتهم أن لبنان يجب أن يكون تابعاً لا سيداً. أنهم كألوان الطيف كثر ومختلفون في اللون ولكنهم موحدون في الهدف، يرغبون في تأخير عجلة الحرية، وهي بطبعها غير قابلة لأن تعطل أو تؤخر.

مشكلة لبنان من داخله أولا، وهي مشكلة لا يريد أحد عاقل أن يخلط أوراقها، إلا أنها إن استمر تجاهلها فإن العواقب ستكون سيئة. نتائج انقسام لبنان على نفسه ما زالت عالقة في الحلق، وخلفت عشرات الآلاف من الضحايا.

ولم يكسب أحد من ذلك الانقسام فخرج الجميع خاسرين. فلبنان طوائف، بعضها يرى أن لبنان يجب أن يكون مقراً لتحرير فلسطين، وهو أمر لم تستطع أن تقوم به الدول العربية التي تكبر لبنان حجماً وقوة ومقدرة.

فإن لم يوافقها البعض الآخر، أصبح متهماً ليس بالمطالبة بحرية بلده، بل بالاستسلام للخارج! في لبنان شرخ كلما اعترف به مبكراً كلما استطاع اللبنانيون أن يتعايشوا بأمل معالجة هذا الشرخ، والعكس صحيح إن ترك توسع وقيح.

لا يوجد في لبنان توافق واضح على الخطوط الحمراء وغيرها من الخطوط الوطنية، فإن ارتضى العالم أن تكون تلك الخطوط هي خطوط الديمقراطية وقواعد اللعب فيها معروفة، فهي تعني العلاقة بين الأغلبية والأقلية.

إلا أن هذا التوازن لا يمكن تطبيقه في لبنان. بعض الأقلية تستعصي على الأكثرية حيث تنقلب المعادلة المعروفة، وبعض الأقلية الأخرى تشد الأغلبية إلى حبل مسنود بقوة التنظيم وقوة السلاح، إن استحق الأمر الاحتكام إليه. والطرف الخارجي موجود علناً أو خلف ستار، ولبنان ربما البلد الوحيد الذي تقرر فيه الأقلية أجندة الأغلبية.

قتل الكثير من العرب في بداية القرن العشرين لأنهم طالبوا بحرية أوطانهم، واتهم آخرون بالعمالة لأنهم فعلوا ذلك. نجيب عازوري الذي أصدر كتابه بالفرنسية عام 1905 يقظة العرب وطالب فيه بدولة عربية من الفرات إلى النيل .

وما خلفهما، اتهم بالخيانة والعمالة، وما ان انتهى القرن ذاك حتى أصبح العرب اثنتين وعشرين دولة لا غير! فلا غرابة أن يتهم جبران في نظر من يعادي حرية لبنان واستقلاله بأبشع التهم!

هل جبران تويني خارج الدائرة أم هو داخل دائرة وطنية آن لها أن تتوافق على الأجندة الداخلية دون تسويف أو مجاملة فالتفكير بالعاطفة هو شيء من انقسام الشخصية، مضر للشخص وأكثر ضرراً بالأوطان. والتنافس على التضليل .

واستخدام الكلمات العامة المنمقة من السياسيين، وتسارع المساومة على الكراسي وكنس الاستحقاقات تحت البساط لعلها تذهب حين لا ترى، ستؤدي إلى ضحايا أكثر والآم أعمق، بل ربما تؤدي إلى لبنان آخر غير الذي نعرف.

يقول المثل الإنجليزي إن الشيطان في التفاصيل، وفيها أيضاً الملائكة إن هي عولجت بشفافية وبوضوح. بعض لبنان مرتهن لبعض الخارج وهو يعاني وما زال من تشوهات الخلق الأول، فلا استطاع أن يؤهل نفسه كي يصبح وطناً للجميع، ولا قبل بما كتب له. تلك المعاناة هي التي سببت نزيف الدم في هذا البلد حتى الساعة.

القضية الجوهرية في لبنان أن سوريا تريده رديفاً ومطواعاً، وأغلبية لبنانية تريد (الاستقلال) ولكن هناك شرائح تكبر أو تصغر ترى أن مصالحها في الارتباط بحبل سري مع سوريا، فهي شرائح بعضها دائم وبعضها مؤقت متغير المصالح.

ودون الذهاب إلى الأصل ذاك، يلجأ الجميع إلى إطلاق تصريحات عاطفية، والابتعاد عن معالجة جذور القضية الأم. وما دام الأمر معلقاً، سيستمر نزيف لبنان، ولن يكون جبران تويني آخر الضحايا.

في المقلب الآخر ان رجال الظلام يستهدفون حملة القلم وأصحاب الرأي من أجل وأد الحريات، فالمدفع يخشى الكلمة، لأن الكلمة هي التي تغير الشعوب وتعطيها حقها. رحم الله جبران وكل شهداء الحق في لبنان.

كاتب كويتي