لعل ذاكرة أولئك الذين عاصروا بدايات البث التلفزيوني في العالم العربي مازالت تحتفظ بأسماء مجموعة البرامج العلمية التي ظهرت خلال تلك المرحلة واستمرت فترة كانت خلالها محل اهتمام ومتابعة الكثير من المشاهدين، ثم اختفت من على الشاشة .
أو جرفها طوفان الفضائيات الذي يبدو أنها لم تستطع الصمود أمامه فانسحبت من الساحة محتفظة لنفسها بالاحترام الذي تمتعت به من قبل المشاهدين، معترفة بأن المجال لم يعد متاحا لها، مانحة الفرصة لجيل جديد من المعدين والمقدمين والمخرجين الذين ربما استطاعوا تطويرها.
نذكر من هذه البرامج على سبيل المثال لا الحصر برنامج « العلم والإيمان» للدكتور مصطفى محمود، وبرنامج « العلم والحياة» لزهير الكرمي، وغيرهما من البرامج التي حاولت الاستفادة من الأفلام والبرامج العلمية الأجنبية وتوظيفها لفكرة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
هل تطورت هذه البرامج التي يمكن أن نطلق عليها «برامج الثقافة العلمية» أم تراجعت أمام سيل البرامج الأخرى التي سحبت البساط من تحت أرجلها بكل ما قدمته من إبهار ومتعة وتسلية لا تتيحها طبيعة برامج الثقافة العلمية ونوعية المادة التي تقدمها في نظر البعض؟
ربما كان هذا واحدا من الأسئلة الكثيرة التي طرحتها ندوة «الثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي» التي نظمتها مجلة «العربي» الكويتية خلال الفترة من الثالث وحتى الخامس من ديسمبر الجاري.
ودعت لها عددا من رجال العلم والإعلام والثقافة للخروج بصيغة قابلة للتنفيذ تعيد للبرامج والدوريات والصفحات الثقافية العلمية بريقها، في إطار مسعى وخطة شاملة لنشر هذه الثقافة من خلال قنوات الإعلام ووسائطه المختلفة.
لعل ما شجع «العربي» - وهي واحدة من المجلات العريقة والرائدة في هذا المجال - على اختيار هذا الموضوع لندوتها السنوية هذا العام - كما جاء في التقديم لها - هو حالة الهروب المستمر التي يعيشها العقل العربي هذه الأيام، مما يجعله عاجزا عن مواجهة التحديات العلمية المعاصرة، فهو يقتات على فتات الماضي، ويحصن ذاته بيقين الخرافات والغيبيات.
ويبرر عجزه بنظرية المؤامرة. كما أنه غير مدرك أن اللغة التي يستخدمها لا تساعده على التواصل مع العالم الذي يحيط به، فالمواطن العربي يعاني حالة عسيرة من الأمية العلمية، وما عدا بعض جزر متفرقة يعيش عليها بعض العلماء المنعزلين كالرهبان، لا نرى أثرا للمناخ العلمي الذي يغمر العالم الآن، ففي الوقت الذي يستعد فيه العالم للانتقال إلى الغد نرتد نحن إلى هوامش الماضي.
يقول وزير الثقافة اليمني الأسبق الدكتور عبد الملك منصور في الورقة التي قدمها بعنوان «التراث والتفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر» إن آفة هذا التفكير هي هيمنة الخرافة المستمدة من التراث العربي عليه.
حيث تشير الدراسات إلى الانتشار الواسع للأساطير وممارسات الشعوذة والتنجيم والتبريج وتعاطي السحر والإيمان بالأشباح والاعتقاد في الأموات والأولياء ودعاوى امتلاك الجن والاستعانة بهم وقصص تلبس الجن بالبشر وزواجهم منهم واستيلائهم على مساكنهم.
ولا تقتصر هذه الممارسات والمعتقدات الخرافية على التجمعات البدائية أو الريفية والشرائح الدنيا من المجتمع العربي، بل تتجاوزها إلى التجمعات الحضرية والشرائح المتعلمة من الذكور والإناث صعودا إلى النخبة الثقافية والسياسية العربية التي تتربع على قمة الهرم.
ففي دراسة ميدانية أجراها مركز البحوث الجنائية بالقاهرة أفادت مؤشرات إحصائية أن العرب ينفقون سنويا زهاء خمسة مليارات دولار أميركي على الشعوذة، وأن هناك 250 ألفا ( ربع مليون ) يمارسون مهنة الشعوذة في العالم العربي!
أما الباحثة الدكتورة ليلى غانم فتستشهد في ورقتها بما جاء في «مشروع استراتيجية نشر الثقافة العلمية والتقنية في الوطن العربي» الذي أعدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول تعريف مفهوم الثقافة العلمية، حيث يؤكد المشروع على وجوب أن يكون المجتمع قادرا على استعمال عقله لإشباع المعرفة والعلم للنهوض بوطنه وتحويله من مجتمع أساطير وخرافات إلى مجتمع معرفة وعلم وتقنية.
المشروع النموذجي الذي أعده عدد من كبار خبراء نشر الثقافة العلمية يفسر النهضة الثقافية العلمية في الغرب بأن دافع الضريبة هناك هو الذي يؤثر على أوجه الإنفاق المالي بمتابعته ومساءلته.
وبالتالي فإن الدعم المالي الضخم المطلوب لمختلف البرامج والمشاريع العلمية كان وراءه درجة عالية من «الاستحسان الثقافي» للعلوم بين العامة الذين يشكلون القاعدة الجماهيرية العريضة التي تزود المجتمع بالعلماء، وكلما كبرت هذه القاعدة نمت احتمالات الإبداع والإنجاز وزادت فرص العقول والكفاءات.
وفي الجهة الأخرى من العالم، هناك في الشرق الأقصى، حيث المجتمعات الصناعية الجديدة التي نمت فيها النمور الاسيوية، لم تسع هذه المجتمعات إلى استنساخ التجربة الغربية، بل اختطت لها طريقا خاصا لتطوير نفسها ونشر الثقافة العلمية في قطاعات كبيرة من مجتمعاتها.
تَمثَّل هذا في خلق شراكة ثلاثية بين الدولة والقطاع الخاص والقطاعات الخدمية والإنتاجية الحرفية والعائلية لتطوير النشاطات الإنتاجية التي سمحت بوجودها الصناعات الإلكترونية خلال عقدين من الزمن، قبل أن تكتسح الدول الصناعية القديمة والمجتمعات الأخرى بتقليل الكلفة والقدرة على المنافسة.
وقد تحملت النخب الثقافية مسؤولية نشر الثقافة العلمية بمحو الأمية، وبإصدار دوريات علمية تلبي احتياجات الفئات المنتجة، وبانكبابها على الإنتاج العلمي، وبالمساهمة بتأهيل الأيدي العاملة.
ورغم نجاح النموذجين إلا أن أيًّا منهما غير قابل للاستنساخ والنقل إلى العالم العربي لأسباب كثيرة. لذلك كان على العرب أن يفكروا في خلق نموذج جديد لأنفسهم يأخذ في الاعتبار خصوصية المجتمعات العربية وطبيعتها.
وهذا ما حاولت ندوة «الثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي» أن تفعله، أو ترمي - على الأقل - حجرا في مياهه الراكدة للخروج من حالة الهروب التي يعيشها العقل العربي، حيث رأت الندوة أن إنقاذ العرب من هذه الحالة يتطلب نشر الثقافة العلمية على مختلف المستويات.
والثقافة العلمية هنا تعني قدرا من المعرفة، وطريقة في التفكير، وسلوكا في الحياة، لأننا في أمس الحاجة إلى طفرة علمية ربما تكون المصل الذي يشفي الجسد العربي العليل من أسقامه وتخلفه.
وهو أمر اتفق المنظمون والمنتدون على أنه يتطلب إرادة قومية أولا، وإصلاحا سياسيا واقتصاديا ثانيا، وصحوة ثقافية تشارك فيها أنظمة التعليم مع وسائل الإعلام ثالثا.
هذا هو الهدف الذي سعت إلى تحقيقه الندوة، فإلى أي حد نجحت في بلوغ شأو منه، وإلى أي حد أخفقت؟
لا يستطيع منظمو الندوة ولا المشاركون فيها الجزم بشيء من هذا ولا ذاك، لأن تحقيق أي نجاح في هذا الاتجاه يتطلب شروطا لا يستطيع أن يؤمنها المنظمون والمشاركون، فهو رهن بالحالة العامة التي تعيشها الأمة لأنه جزء من مشروعها النهضوي المرتقب.
وحال الأمة لا يخفى على أحد، فأنَّى لعدد من العلماء والمثقفين جمعتهم حلقة نقاش أن يستشرفوا مستقبلا ربما احتاج استشرافه إلى جهود كل المشعوذين والسحرة وقارئي الكف العرب الذين قدرت الإحصاءات عددهم بربع مليون فقط (مع أنه رقم كبير).
بينما نعتقد نحن أنهم والدجالين في العالم العربي أكثر من ذلك بكثير، مع احترامنا لكل مراكز البحوث في عالمنا الذي نسعى جميعا إلى استشراف مستقبله حتى لا نضطر إلى استنساخ حاضره أواستدعاء ماضيه، رغم اعتزازنا بالماضي الذي لا نستطيع العيش على هوامشه مهما كان الحاضر سيئا وكئيبا وغير مشرف.
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إماراتي