التقى زعماء مجلس التعاون الخليجي يوم 18 من هذا الشهر.. الاجتماع يعقد في مرحلة غير عادية تمر بها المنطقة العربية بشكل عام.. هناك اختبار صعب تواجهه هذه المنظمة وبتحديات تواجه المنطقة في الوقت الراهن... هي أزمة بقاء واستمرار لهذه التحديات.. أو بقاء واستمرار ونجاح هذه التجربة!
ان مجلس التعاون رغم ثرواته وموارده وناتجه القومي وثقله الاقتصادي العالمي بما يمثله أكثر من 65% من احتياجات النفط العالمية سيبقى يواجه هذه التحديات منها تحديات داخلية.. تتمثل في التركيبة السكانية والعمالة والتعليم والتوطين والتنمية وتنويع مصادر الدخل والأمن الوطني.
وتحديات خارجية تتمثل في وضع آلية تحريك جديدة لتفعيل المجلس وتحقيق طموحات وآمال شعوب دول الخليج لبناء مجلس التعاون الفعلي وهذا ما يتطلب اعادة صيغ المجلس وأهدافه واستراتيجياته.
وكذلك غياب العمق البشري لتحقيق الأمن الخليجي الذي يخلق خللاً في التوازن بين الثروة والقدرة على حماية الثروة.. وكذلك مشاريع التكامل، وتوفير أسس الأمن والاستقرار والاتحاد الاقتصادي.
ولعل الأسباب التي تساهم في ابراز هذه الظاهرة هو خلل النظام الأمني الجماعي وعجزه عن الاستجابة الجماعية والفورية للاحداث التي تبرز بين الفينة والأخرى في معظم دولها.
نحن على يقين ان التعاون والتكامل يستدعي ان يمثل اتجاهاً قادراً على درء الخطر.. ليس الخارجي فقط.. بل والداخلي أيضاً وذلك بخلق مزيد من الإحساس والشعور بالأمان ومن ثم الاستقرار فالتنمية المستدامة.. ففي غياب نظام أمني جماعي ستظل دول المنطقة تشعر بالتهديد المستمر ليس من الخارج فقط.. بل حتى من الداخل.
وهذا يستلزم بناء قوة أمنية اجتماعية اقتصادية وحماية الثروة من الاطماع الخارجية بما تمثله المنطقة من عمق اقتصادي مهم للعالم.ان انكشاف دول المنطقة على العالم الخارجي تصديراً لسلعة رئيسية واحدة تحرك اقتصادياتها وتنبض فيها الحياة..
واستيراداً لكافة السلع حتى العمالة التي تشغل التنمية.. هذه الظاهرة لا يمكن إغفالها عند مواجهة التحديات.. وهذا يستدعينا التفكير جدياً في وضع برنامج تنمية اقتصادي اجتماعي بدءاً من تغيير كافة أنظمة وسياسات وبرامج التعليم بخلق استثمارات ضخمة.
ويأتي التوجه نحو تطوير وتنمية القوى البشرية وتعليمها وتدريبها ورفع كفاءتها بهدف توطين التنمية والتكنولوجيا التي تمثل رافداً رئيساً للتنمية الوطنية ويساهم ذلك في دفع اعداد كبيرة من أبناء هذه الدول من المشاركة في التنمية الحقيقية والعيش الكريم بتوفير فرص العمل لهم بدلاً من ان تتلقفهم أياد أخرى وتوجههم في اتجاه مغاير..!!
هناك طاقات معطلة في دول المنطقة من أبنائها وتمثل بطالة بعضها مقنع والجزء الأكبر مكشوف.. بما يمثل هدراً حقيقياً لمورد بشري يخلق قيمته.
ويحتل التعليم وتطويره أهمية خاصة في برامج التنمية الوطنية حيث تبذل الحكومات الخليجية جهوداً حثيثة لتوفير الخدمات التعليمية المجانية من منطلق انه مسؤولية الدولة وحق تكفله الدولة لكل مواطن ولكن يبقى الأمر هو الكيفية والجودة والتطوير للتعليم ومنشآته وبرامجه ومناهج وأدواته وسياساته وإعداد المدرسين والطاقة الاستيعابية في كل مراحل التعليم.
واذا ما قيمنا السياسات التعليمية الحالية من حيث مدى تحقيقها لمتطلبات التنمية الشاملة من العمالة الوطنية، فنيا وحرفياً وإدارياً.. نجد أن مخرجات التعليم في معظم دوله لا تلبي من حيث النوعية متطلبات وطموحات التنمية وهذا سيؤدي إلى خلق فجوة بين متطلبات التنمية .
ومخرجات التعليم وستزداد اتساعاً مما سيؤدي إلى تفاقم أزمة البطالة بين العمالة الوطنية واستمرار زيادة الاعتماد على العمالة الوافدة مما سيؤدي إلى احداث خلل اجتماعي اقتصادي بين دول المنطقة خاصة اذا رصدنا الفئة العمرية للسكان الأقل من 25 سنة نجدها تمثل أكثر من 58% من السكان وهؤلاء بحاجة إلى تعليم وتأهيل وفرص عمل.
إن التخطيط السليم والجماعي سيخفض الكلفة ويوزع المنافع حيث لا تكتمل أية تنمية بدون الوقوف على كل جانب من جوانب الانماء وتحليلها ووضع التصورات الجادة والعملية لها.
واصبح استشراف المستقبل من القضايا المهمة عندما نخطط للتنمية بكافة قطاعاتها خاصة ونحن نعيش في عالم يموج بالتحديات والمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية..
وهكذا أصبح استشراف المستقبل قضية استراتيجية ملحة لصناع القرار ومخططيه بضرورة توجيه المزيد من الاهتمام نحو دراستها والتصدي لها واحتوائها.. بل ووضع العلاج لها من قبل صناع القرار والمخططين لأنها قضية تمس مستقبل أجيالنا القادمة الذين هم أمانة ومسؤولية وطنية.
ويشكل النفط والغاز تلك الثروة النابضة للاقتصاد الوطني والناضبة لمحدودية المخزون من التحديات التي يجب ان توليها دول المنطقة اهتماماً اكبر.
ان الاستنزاف الكبير نتيجة زيادة الطلب العالمي عليه تؤثر سلباً في المخزون النفطي وتقصر عمره الزمني.. وهنا مع النمو السكاني وزيادة الطلب على توفير البنية التحتية.
وما يتطلبه جلب عمالة لتوفير هذه الخدمة سيصل باعداد المواطنين في بعض الدول الى أرقام فلكية غير مقبولة بكل المقاييس اذا لم نبادر من الآن بتبني استراتيجية سكانية وطنية حازمة وحاسمة لضبط النمو السكاني عند معدلات الآمنة.
الأمن المائي والربط الكهربائي وتحديث شبكة الطرق وتطويرها وكذلك النقل البري بأساليب اكثر تطورا وحداثة كمشروع القطار والموجود على جدول أعمال المجلس وله أهمية كبيرة لخلق تواصل اقتصادي وانتقال العمالة والافراد وخلق مزيد من التواصل الآمن بين شعوب المنطقة.
المشاركة الوطنية في تحمل مسؤولية في الدول الخليجية تنبع من تراثناا القبلي وضرورة أصبحت اليوم قبل غد.. وجاء خطاب صاحب السمو رئيس الدولة ليؤكد ذلك النضوج السياسي لدولة الاتحاد وهناك جهود واعدة في الدول الخليجية الاخرى بحتمية المشاركة.
المجلس يجب أن يركز في بحثه على معالجة القضايا التنموية المعاصرة وتعديل مسار التنمية في الاتجاه الصحيح.. وهو الاتجاه الذي يسندنا في مواجهة التحديات وويجنبنا المشكلات.. وهذا يستدعي ضرورة تهيئة المواطن الخليجي المستفيد الرئيسي من برامج وخطط وسياسات التنمية اجتماعيا ونفسيا حتى يتقبل المتغيرات المتوقعة بروح المسؤولية الوطنية ولكي يصبح عنصرا فاعلا في انجاحها.
ان ما تحقق من انجازات خلال المرحلة الماضية يجب أن لا يشغلنا عن مسؤولياتنا وتطلعاتنا الوطنية لبناء خليج قوي يعتمد على ذاته.
فالفترة المقبلة تستدعي منا المكاشفة والشفافية في طروحاتنا وطرح أفكار ومشاريع جديدة ورؤى طموحة لتحقيق التكامل الخليجي الواقعي الذي يلمسه ويشعر به ويعايشه كل مواطن ويستفيد منه وبالتالي يسعى لحمايته والحفاظ عليه بقناعة تامة.
لماذا لا يكون الشعور بالتحديات هو القاسم المشترك الذي يجب ان نخطط له وننطلق منه للمرحلة المقبلة؟
كاتب إماراتي