اذا كانت الانتخابات البلدية وبعدها البرلمانية في قطاع غزة والضفة الغربية جزءا من عملية سياسية فما هي الحكمة من محاولة عزل حركة حماس والفصائل المسلحة الاخرى ومنعها من الدخول اليها في حين تأمل السلطة الوطنية الفلسطينية ان تنجح في استقطاب جميع الفصائل لتتحول الى احزاب معترف بها ولتصبح منضوية تحت لواء الدولة المستقلة التي هي الهدف النهائي للشعب الفلسطيني الذي يقدم التضحيات ليل نهار من اجل ان يتخلص من الاحتلال الاسرائيلي البغيض.

من غير المعقول ان تأتي تصريحات الادارة الامريكية وبعدها تصريحات ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي الرافضة لدخول حركة حماس الى الانتخابات البرلمانية على هذا النحو من سوء التقدير لاهمية انضمام تلك الحركة التي لديها بطبيعة الحال مشروع سياسي فلسطيني الى العملية الديمقراطية، وهي ان لم تتخل عن السلاح فذلك لان اسرائيل لا تتوقف عن استخدام السلاح لقتل وترويع الفلسطينيين الى درجة انه لم يعد يمر يوم واحد من دون ان يسقط فلسطينيون شهداء وجرحى ضحية لرصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي وهي في ذلك لا تميز بين العناصر التابعة للمنظمات المسلحة وبين الاطفال الذاهبين الى مدارسهم.

لا فائدة من المبررات الان فتلك الحلقة المفرغة ما تزال مغلقة وسط دوامة العنف ولم تفلح الجهود المخلصة التي استهدفت وضع حد للقتل المتبادل في تحديد نقطة بداية تمنع الفعل ورد الفعل من الجانبين، ومع ان الفصائل الفلسطينية التزمت بالهدنة التي اقترحها الوسيط المصري مدير المخابرات عمر سليمان فان اسرائيل عملت طوال الوقت على جعل تلك الفصائل تتخلى عنها بسبب تعرض قياداتها واعضائها للاغتيال والاعتقال.

المنطق البسيط يقول لنا ان دخول المنظمات الفلسطينية الى البلديات والبرلمان وغيره من المؤسسات الرسمية والاهلية يعني انها تتحول تدريجيا الى جماعات تنشط في نطاق الدولة وتصبح معنية بشكل مباشر في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها، وتصبح جزءا من القرار السياسي الذي تتخذه الحكومة الفلسطينية او القوانين والمواقف التي يتخذها البرلمان الفلسطيني بالاغلبية.

صحيح انهم سيحتاجون بعض الوقت لكي يروضوا انفسهم على العمل في اطار مؤسسي الا انه لا بد من بداية، وهذا تماما ما يشير اليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقدر من الصبر والحكمة والحنكة وهو الان بحاجة الى مساعدة قوية من المجتمع الدولي وخاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لدعم المسيرة الديمقراطية في فلسطين، واحترام ارادة الشعب الفلسطيني الذي يختار من يشاء لتمثيله في البرلمان المقبل وهو يتحمل مسؤولية اختياراته.

اما ان تأتي التصريحات وكأنها تحذير للفلسطينيين من ان انتخاب ممثلي حماس سيعني قطع المعونات المادية والعينية عنهم فذلك توجه ساذج خاصة وان الفلسطينيين بالكاد يشعرون بوجود ذلك الدعم، وتكفي احوالهم المعيشية والمآسي الانسانية التي يواجهونها منذ ثمانية وثلاثين عاما لتشكل ايجابة على مثل ذلك التحذير.

اذا كان هدف تلك التصريحات جعل حماس وبقية الفصائل تتخلى عن السلاح فان اخر ما يمكن استخدامه في هذه الحالة هو التهديد بقطع المعونة عن اناس يقدمون دماءهم من دون حساب، فقد كان من الاجدر والاكرم ان تشجع الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي الحركة الفلسطينية السلمية نحو اقامة الدولة المنشودة، وان يطلبوا من الاسرائيليين الابتعاد عن الطريق كي يصل الفلسطينيون الى دولتهم المستقلة بسلام.