يبدو أن سالفا كير الزعيم الجنوبي السوداني الذي تولى قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية عقب رحيل جون قرنق عند نهاية يوليو الماضي لا يرى في اتفاق السلام بين «الحركة» وحزب «المؤتمر الوطني» الشمالي الحاكم سوى بداية طريق يقود إلى انفصال الجنوب تمهيداً لإقامة دولة مستقلة. ويبدو أن رؤية «المؤتمر الوطني» تنطبق مع قناعة «الحركة» بزعامة كير.

وفي مقالة تحليلية نشرت بصحيفة «الخرطوم» السودانية يشير الكاتب الجنوبي قبريال هلري إلى «عزوف الفريق سالفا كير عن الاهتمام بالشمال مع تركيزه على الجنوب فقط الأمر الذي يعضد رأي من يقولون بانفصالية كير بعكس سلفه (جون قرنق)».

ورغم أن هذا الكاتب الجنوبي لم يأت بجديد حيث أن الملاحظة التي سجلها ظلت متداولة في الأوساط السياسية في السودان منذ رحيل قرنق وتسلم كير القيادة إلا أن المقالة مع ذلك تتضمن مؤشرات جديدة. فالكاتب يلاحظ أن العمل التنظيمي للحركة الجنوبية في الشمال قد فتر. ويقول الكاتب ضمناً ان كير لا يرغب في بقاء كبار الأعضاء الشماليين في «الحركة» مما يفسر إحلال عبدالعزيز الحلو، وهو من جبال النوبة، مكان ياسر عرمان.

ويلاحظ الكاتب أيضاً أن الأغلبية العظمى للأعضاء الذين عينوا بتوجيه من كير في حكومة الجنوب والبرلمان الجنوبي هم من العناصر التي عرفت بتوجه انفصالي. حتى قبل رحيل سلفه كان سالفا كير لا يخفي معارضته لمشروع قرنق الوحدوي الذي أطلق عليه «السودان الجديد» .

والذي يدعو إلى كيان سوداني موحد تكون فيه الغلبة السياسية والسلطوية والاقتصادية لجبهة من الأقليات غير العربية (أهل الجنوب مع أهل جبال النوبة، وأهل جنوب النيل الأزرق) تفرض نفسها على الأغلبية العربية.

كان كير يرى ولا يزال يرى في هذا المشروع معادلة خيالية من المستحيل أن تتحقق على أرض الواقع. وفي كل الأحوال فإنه يرى أيضاً إنه لا شأن للحركة الجنوبية بقضية جبال النوبة والنيل الأزرق.

هذه أيضاً رؤية السياسي الجنوبي بونا مالوال الذي أنشق عن حركة قرنق خلال النصف الثاني من التسعينات. وهذه الحقيقة تفسر لماذا عمد كير عند تشكيل الحكومة المركزية إلى تعيين مالوال مستشاراً له في قصر الرئاسة.

من ناحية أخرى أثار أحد أقطاب حزب «المؤتمر الوطني» ـ الشريك في السلطة الانتقالية الحالية مع «الحركة» ـ ضجة سياسية ـ إعلامية عندما تقدم قبل بضعة أسابيع إلى المؤتمر العام للحزب بورقة اقتصادية ترسم الخطوط العامة لصورة المستقبل الاقتصادي للبلاد على أساس فرضية انفصال الجنوب.

«ورقة حمدي» ـ نسبة إلى صاحبها عبدالرحيم حمدي كبير الخبراء الاقتصاديين في الحزب ـ ترسم خريطة للمستقبل التنموي يتوزع فيها الاستثمار التنموي طويل المدى على شمال الشمال ومنطقة الخرطوم والجزيرة والشرق وكردفان.. مع حذف صريح للجنوب باعتبار أن مصيره إلى الانفصال الحتمي.

وبعد أن كان السؤال الذي يطرح هو: هل تعكس القناعة الانفصالية لكل من «الحركة الشعبية» و«المؤتمر الوطني» قناعة مماثلة على المستوى الشعبي في كل من الجنوب والشمال؟

بالطبع لن تتوفر إجابة عملية ونهائية عن هذا السؤال إلا بعد إجراء استفتاء عام في الجنوب والشمال معاً.