قال الرئيس الأميركي جورج بوش الأسبوع الماضي لمحطة «فوكس نيوز» الإخبارية أن الدين يلعب دورا كبيرا في حياته ويسترشد به دائما، مشيرا إلى انه يصلي عدة مرات يوميا ويقدر من يؤدي الصلاة من المواطنين الأميركيين.
وتابع: انه يأمل في أن يتذكره الأميركيون على أنه الشخص الذي كانت الاستقامة من أولوياته وأن الدين والأسرة والأصدقاء كانوا جزءا مركزيا في حياته.
ليس هذا فقط بل قال أيضا انه «مدعوم بصلوات مواطنيه»، مشيرا إلى انه «تطلق التكهنات حول عبء عملي وهو يخف عندما اتكل على الخالق، وهناك فارق بين العلاقة بين شخصٍ والعلي القدير، وفكرة أن الرب يدير القرارات السياسية المتخذة في البيت الأبيض».
عظيم جدا أن الدين يلعب دورا محوريا في حياة الرئيس الأميركي أو في حياة أي شخص آخر، رغم أن البعض يرى في تصريحات بوش، محاولة لإزالة اللغط، الذي أثاره فيلم وثائقي بريطاني عرض في أكتوبر الماضي، وذكر أن بوش قال لمسؤولين فلسطينيين، في اجتماع إن «الله هو الذي أمره باجتياح أفغانستان ثم العراق».
على أية حال، إن اتخاذ السياسيين الدين مرجعية، أمر مهم جدا وحيوي، لأنه يجعل للأفعال التي يتخذونها، إطارا من الأخلاق وسياجاً من الحقيقة وجداراً من المصداقية، وبعدا إنسانيا يحافظ على مصالح الشعوب، ويحرص على إبعاد الضرر والأذى عنها، سواء كان ذلك على شكل عقوبات اقتصادية أو عملا عسكريا.
لكن إذا نظرنا إلى الرئيس بوش، وسنوات حكمه الماضية، لوجدنا أن هناك خطا فاصلا عريضا بين الدين والممارسات والأفعال التي قامت بها الولايات المتحدة في أنحاء عدة من العالم، لاسيما في الشرق الأوسط.
وإذا كانت كل الأديان بما فيها الدين المسيحي الذي ينتمي إليه الرئيس بوش، تحرم العدوان والظلم والاعتداء على حقوق الغير، فكيف يفسر لنا غزو العراق وهدم أركان الدولة، وتصاعد التوتر الطائفي، وانعدام الأمن والاستقرار السياسي، وسقوط أكثر من 30 ألف قتيل وفق تصريحه هو، وهي أمور لم تكن لتحدث لو لم يتم الغزو.
كيف يفسر أيضا، الأنباء التي ترددت في الفترة الأخيرة، وما نشرته صحيفة «الاندبندنت» البريطانية، عن التعذيب وتكتيكات التحقيق المعززة التي يمارسها ضباط المخابرات المركزية الأميركية في السجون السرية التي يحتجز فيها المشتبه بتورطهم في أعمال إرهابية.
والتي يوجد عدد منها في الدول الأوروبية. كذلك كيف يفسر لنا هذا الدعم اللامحدود، الذي تقدمه بلاده للكيان الصهيوني، وممارساته الإجرامية على الأرض الفلسطينية المحتلة، وإقدام الإرهابي شارون ليلا نهارا على تنفيذ الاغتيالات السياسية، غير خائف من رد فعل دولي، لأنه بالتأكيد متيقن من مظلة الحماية التي توفرها له واشنطن.
هذا غيض من فيض، مما نراه ونشاهده ونلمسه من جانب الإدارة الأميركية، التي كنا سنصدق رئيسها حقا، إذا تحدث عن أن السياسة والقرارات السياسية، لا علاقة لها بالدين، وإنما تحكمها اعتبارات المصالح التي تتحكم في كل صغيرة وكبيرة فيها، بصرف النظر عما إذا كان لذلك تداعيات تمس بالدول أو الشعوب أو الأفراد.
إن الإيمان بشكل عام، وإيمان السياسي على نحو خاص، ليس مجرد أقوال للاستهلاك، وإنما ممارسة وتطبيق على ارض الواقع، وإذ اختلفت الممارسة عن المعتقد، فإن الأخير يسقط تماما ويختفي ويصبح في هذه الحالة أثرا بعد عين..
إننا ندرك صعوبة التوفيق بين الأمرين لاسيما في عالم السياسية الممتلئ بالتناقضات، لكن هذا لا يمنع أن نحلم بسياسي يحقق مبادئ أفلاطون في جمهورية فاضلة قولا وممارسة.