يقول الاتحاد الأوروبي إنه يدرس الآن إمكانية تقليص المساعدات الحكومية المقدمة للمزارعين «اذا فعلت الولايات المتحدة ذلك أيضاً» والولايات المتحدة تقول بأن تلك التصريحات تنطوي على مخادعة من قبل الاتحاد الأوروبي.. لقد اقترحت الولايات المتحدة خفض الإعانات المالية الحكومية الزراعية هنا بنسبة 60 في المئة اذا قامت أوروبا من جانبها بتخفيضات كبيرة في إعاناتها الزراعية.

إنها قضية محرجة للاتحاد الأوروبي، فالأوروبيون الميالون إلى المثالية عادة ربما يحشدون الدعم للفقراء في العالم الثالث، موجهين الانتقادات اللاذعة للولايات المتحدة لعدم اكتراثها بـ «الآخرين» في قضايا تتراوح بين التسخن الأرضي إلى استخدام القوة العسكرية في العراق.

لكن الزراعة الأوروبية المدعومة من الحكومات تجعل تصدير الأغذية الغربية الموجهة إلى الأمم الفقيرة سهلاً ـ واستيراد المحاصيل من تلك البلدان صعباً.

وبما أن الزراعة تمثل الصناعة الأساسية الأولى في الدول النامية، فإن الحواجز التي توجدها الإعانات المالية الحكومية للمزارعين في الغرب لها تأثير مدمر على الاقتصادات الهشة لتلك البلدان.وإن ما تنفقه أوروبا من أموال الضرائب العامة على إطعام أبقارها أكثر مما تنفقه دول العالم الثالث على إطعام شعوبها.

وحتى اذا تراجعت أوروبا واختارت عدم تقليص إعاناتها الزراعية المتزايدة، كما تم الاتفاق عليه أصلاً، من حيث المبدأ قبل أربعة أعوام، فإن الولايات المتحدة يجب ان تنهي إعاناتها المالية المقدمة للمزارعين الأميركيين بشكل تام، وذلك لجملة من الأسباب.

أولاً: في هذا الوقت الذي نشهد فيه عجوزات قياسية في الميزانية، نستدين المال لنقدم العون المالي لأصحاب الأعمال الزراعية الذين ليسوا فقراء، بل من المرجح ان أوضاعهم ستتحسن أكثر بفضل الاقتصادات الديناميكية الجديدة في الهند والصين.

والتي ما انفكت تولد ملايين المستهلكين الأثرياء الجدد، إن مستقبل الغذاء ـ مثل مستقبل النفط والمعادن الأساسية الأخرى ـ يشهد تغيراً جذرياً، مع توجه سكان العالم الذين تتزايد أعدادهم ليصبحوا أكثر شراهة ورأسمالية.

ثانياً: ليس هناك أي منطق في نظام الدعم الزراعي الحالي، فالقمح، على سبيل المثال، مدعوم من الحكومة لكن الخضروات الطازجة ليست مدعومة، وفول الصويا مدعوم بالأموال الفيدرالية دوناً عن الدراق. والسكر يتلقى هبات سخية، لكن لماذا تقدم الحكومة نفس الهبات للجوز أو العنب؟

والأمر يصبح أكثر غرابة: فمشاريع المياه الفيدرالية في الغرب غالباً ما توفر الري للأعمال الزراعية بتكلفة أقل بكثير من التكلفة الحقيقية، وعندما يتم دعم المحاصيل الناتجة بإعانات مالية حكومية، إضافية يصبح الأمر مبالغاً فيه، فدافعوا الضرائب من عامة الناس يقدمون المال لري المحاصيل ثم يدفعون المزيد من المال لدعم غلال تلك المحاصيل.

ثالثاً: إن الإعانات المالية الحكومية لم تنجح في تحقيق الهدفين الرئيسين المرجوين منها: وهما المحافظة على العائلات المزارعة وضمان الاكتفاء الأميركي الذاتي في انتاج الأغذية.

والآن لا تتجاوز العائلات المزارعة الحقيقية (1) بالمئة من السكان، علماً بأن تعبير «العائلات المزارعة» تسمية رومانسية تم توسيع نطاقها بصورة ماكرة لتشمل الأعمال العائلية التي نمت منذ زمن بعيد إلى مؤسسات اتحادية تقدر قيمتها بملايين الدولارات.

وفي السنوات العجاف، يجد المزارعون العائليون الحقيقيون أنفسهم مضطرين لدعم محاصيلهم الخاسرة بالعمل لقاء الأجر في المدن، وفي هذه الأثناء يرجح ان تصبح الولايات المتحدة العام المقبل مستورداً صافيا للأغذية ـ أي إن حجم وارداتها ستتجاوز حجم صادراتها ـ لأول مرة في تاريخها.

رابعاً: هناك قضية النفاق، فالمحافظون يعتقدون ان الإعانات الحكومية لها تأثير موهن على الاعتماد على النفس ومسؤولية الفرد: أي إنه كلما أعطتك الحكومة أكثر، كلما أصبحت أقل ميلاً لإعانة نفسك بنفسك.

واذا كان رجال الأعمال يجادلون في أحيان كثيرة بأن برامج الرفاه الاجتماعي غير المدروسة جيداً تؤذي الفقراء، فما الذي يمكن قوله عن الهبات السخية المقدمة إلى الأثرياء؟

في عام 1996، كان يفترض لما سمي بقانون «حرية الزراعة» أن يلغي تدريجياً كل الإعانات المالية الزراعية مقابل تقديم مبالغ نقدية مباشرة أكثر إلى المزارعين بدون ان تملي عليهم الحكومة ماذا يزرعون أو متى يبيعون محاصيلهم.

لكن سرعان ما تم التنكر لهذه الصفقة من قبل المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء والذين عملوا كسماسرة لصالح شريحة سكانية صغيرة لكن متنفذة في بضع ولايات زراعية تعتبر أصواتها أساسية لحسم الانتخابات.

خامساً: نحن ننسى تاريخ الإعانات الزراعية، لقد بدأت هذه الإعانات بشكل جدي كبرنامج إصلاحي جديد في عهد روزفلت يهدف الى السيطرة بشكل مصطنع على السوق وتحصين المزارعين من الواردات.

وإيجاد أسواق أجنبية لمحاصيلنا على أمل سد رمق ملايين الأميركيين الذين كانوا يعانون الأمرين تحت وطأة الركود الاقتصادي العظيم. لكن كان ينبغي لنا ان نتعلم أن الإعانات الزراعية المالية وصرف السوق عن مساره يؤديان عادة الى عكس النتائج المرجو منها، ولقد أديا في هذه الحالة إلى نشوء شركات كبرى تعتاش على برامج الرفاه الحكومية متنكرة على هيئة مزارعين عائليين.

ومن شأن الولايات المتحدة ان تزدهر بدون إعانات زراعية حكومية، بعد ان تجتاز الصدمة الأولى، وستستطيع الخزينة بذلك تقليص العجز في الميزانية الفيدرالية بواقع 20 مليار دولار سنوياً، وستظهر بذلك للأوروبيين مرة أخرى بأن المباديء الأخلاقية تقوم على الأفعال لا على الأقوال والخطب المثالية الرنانة.

وفي النهاية، قد يستطيع المزارعون العائليون الحقيقيون الذين لا يتلقون الأموال الحكومية أن يتنافسوا بشروط أكثر إنصافاً مع أولئك الذين يتلقون الدعم الحكومي، وفي غضون ذلك، ستحدد السوق، أفضل مما تفعل الحكومة، أي المحاصيل التي ينبغي زراعتها ومتى وكيف.

علينا ان نتعلم الدرس من فترة التسعينات عندما هددت العولمة، بتقويض الاقتصاد الأميركي، فبرغم التوعك الحقيقي، ابقينا أسواقنا مفتوحة وأجهدنا السيولة، فيما راحت الأعمال والوظائف تختفي وتعود للظهور مجدداً في دورة دائمة التغير تدفعها متغيرات السوق.

وكانت النتيجة أن زعماء الأعمال الأميركيين تعلموا ان يكونوا أكثر حساسية للتقلبات في الذوق والطلب ـ واستطاعوا النجاح في سوق عالمية قاسية.

واليوم، فإن الولايات المتحدة تتمتع بنمو اقتصادي حقيقي وتضخم متدن وأسعار فائدة متدنية ومعدلات بطالة متدنية، بخلاف أوروبا التي تعاني من الركود وارتفاع معدلات البطالة، واذا سحبت الحكومة الأميركية يدها من الأعمال الزراعية، فإن المزارعين أنفسهم سيظهرون براعة أكبر بكثير في قرارات السوق.

لا بل إن النتيجة النهائية قد تكون زيادة أعداد المزارعين العائليين واستعادة أميركا لوضعها السابق كمصدر للأغذية ـ والمفارقة ان هذين هما الهدفان الأصليان اللذان أنشيء من أجلهما البرنامج الفيدرالي للإعانات الزراعية والذي أثبت فشله الآن.

خدمة «لوس انجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»