مرت ساعات مساء الأربعاء الماضي بسرعة على قادة حركة فتح.. ففي صباح ذلك اليوم كان مقرراً ان يتوجه مبعوث من الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» إلى سجن هداريم الإسرائيلي لاطلاع مروان البرغوثي على قائمة فتح للانتخابات التشريعية لكن المبعوث لم يتوجه صباحاً وقيل انه سيتوجه ظهراً ثم مساء..
ولم يتوجه رغم ان المبعوث كان مقررا ان يزور البرغوثي منذ بداية الاسبوع لكن الزيارة لم تتم. وكان بعض قادة حركة فتح المتمردين على اللجنة المركزية للحركة مثل محمد دحلان وقدورة فارس وجبريل الرجوب وسفيان ابو زايدة وسمير المشهراوي واحمد غنيم ومعهم فدوى البرغوثي طلبوا مرارا من الرئيس الفلسطيني معرفة ما إذا كان القائد الأسير على رأس القائمة لكن لم يحصلوا على أية اجوبة.
وتم تسريب انباء عن إزاحته إلى المرتبة الرابعة أو السادسة بعد اعضاء اللجنة المركزية الراغبين في الترشح دون ان يخوضوا الانتخابات التمهيدية وهذا اضاف توترا على المناخ الداخلي في فتح، فاللجنة المركزية.
وزعت القادة الشبان على الدوائر ليخوضوا الانتخابات «وهي نصف عدد مقاعد التشريعي» واحتفظت لنفسها بأحقية تشكيل قائمة من شخصيات غير مضمونة النجاح في الدوائر.
وبالتالي ضمنت فوزهم عن طريق القائمة. وهذه المعادلة اخافت الكثيرين وجعلتهم يشكون في نوايا المركزية التي تحاول تمديد هيمنتها على الحركة.
وصباح الاربعاء توجهت فدوى إلى سجن هداريم وأبلغت زوجها أنها لم تستطع الحصول على وعد بأنه على رأس قائمة فتح.. وهذا أثار استياء البرغوثي الذي ظل طوال اسبوع ينتظر مبعوثا من الرئيس ولم يأت. وهنا كما يقول مقربون أعطى الاشارة الفورية بتشكيل قائمة موازية.
ولعل دحلان والآخرين كانوا مرحبين جدا بهذا القرار بل وسبق ان ناقشوه معه لكنه ابدى آنذاك معارضته لتشكيل قائمة موازية واعرب عن رغبته في الانسحاب من الانتخابات إذا لم تكن القائمة قوية وتضم شخصيات مؤثرة وقد أبلغ رغبته هذه إلى الدكتور سلام فياض الذي زاره مرات عدة لشرح موقفه من تشكيل قائمة الطريق الثالث التي تضم شخصيات مستقلة.
في مساء الاربعاء التأم القادة الشبان في منزل البرغوثي واخذوا يعدون القائمة الجديدة بعد ان أفزعهم عدم افصاح الرئيس عن الاسماء في قائمة فتح..
وما ان انتهوا من اعداد القائمة التي ضمت 37 مرشحا حتى جاء من يبلغهم من طرف الرئيس ان قائمة فتح سيكون على رأسها مروان البرغوثي لكن بعضهم شعر وكأنها مناورة اللحظة الأخيرة من قبل اللجنة المركزية اذ ان بوسعها تقديم القائمة نهارا فلماذا تنتظر حتى الساعة الأخيرة من اغلاق باب التسجيل أي الثانية عشرة ليلا؟
وعندما توجهت فدوى والمشهراوي ودحلان إلى مقر اللجنة المركزية للانتخابات لتسجيل القائمة حيث ان بحوزتها توكيلا رسميا من زوجها كان مكتب الرئيس الفلسطيني ينتظر موافقة شارون على السماح باجراء مكالمة هاتفية مع البرغوثي في سجنه وهي اول مكالمة يجري بحثها وجاءت المكالمة المطولة اثناء تسجيل قائمته في لجنة الانتخابات.
كان بإمكان مكتب الرئيس ارسال موفد إلى اللجنة القريبة من مقره ودعوة فدوى ورفاقها للحديث مع مروان لكن ذلك لم يحدث، بل اتصل بي زياد ابو عين وكان متواجدا في مكتب الرئيس للحديث مع مروان واعتبر تسجيل القائمة الجديدة مؤامرة على مروان كما حدث في انتخابات الرئاسة..
وطلب مني ان اذهب لاصطحاب فدوى إلى مقر الرئيس لتتحدث مع زوجها وكنت بعيدا عن المكان فاتصلت بها عن طريق ارسال هاتف نقال اليها حيث ان هاتفها مغلق.. وابلغتها بما يجري فقالت لقد فات الأوان..
لم يبق لدينا وقت فالذهاب يعني انتهاء مهلة التسجيل وهذا يفوت علينا فرصة التسجيل ويضعنا امام املاءاتهم.. وهاتفني نبيل عمرو وقال ان المكالمة مستمرة مع مروان وان زوجته مدعوة للحضور فقلت انها على مرمى حجر من المقاطعة .
ويمكن إن كانت هناك رغبة في حل الازمة ارسال موفد اليها فأنا لست وسيطا وان كنت توسطت في الأزمة السابقة باقناع مروان بالانسحاب من سباق الرئاسة الا ان مروان ووجه بالجحود بعد ذلك من قبل الرئاسة كما هو حال العبد الفقير لله.
ويستشف مما قاله مروان عبر الهاتف انه عاتب على القيادة لأنها تجاهلته عند تشكيل القائمة ولم تتشاور معه فكيف يترأس قائمة لا يعرف اعضاءها؟
واعرب عن استيائه لعدم وصول أي مبعوث رئاسي اليه. وعندما قرئت له بعض الاسماء في القائمة اعرب عن استيائه لخلوها من رفاقه الشبان وبعد المكالمة توجه ناصر القدوة إلى لجنة الانتخابات لتسجيل قائمة فتح وعلى رأسها مروان أيضاً.
. وكأن هناك مسابقة على من يكسب المروان. لكن يقول مقربون من قائمة المستقبل التي يتزعمها مروان ان اسمه كان سادسا ورفع إلى رأس القائمة بعد تقديم القائمة المنافسة ليس الا.
إذاً، وصلت فتح إلى حالة من الانقسام الداخلي وعندما توجه الناخبون في عدد من مدن الضفة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجالس محلية صباح الخميس كان نبأ ولادة قائمتين لفتح بشرى سيئة لقوائم فتح البلدية فتقاعس انصار فتح عن الاقتراع بينما استعدت حماس حسنة التنظيم واقتنصت اللحظة وحققت فوزا كاسحا في اغلب المدن باستثناء رام الله حيث فازت فتح بنصف عدد مقاعد مجلسها المحلي بقائمة ضمت فدوى البرغوثي.
وبعد ظهور هذه النتائج يتساءل الكثيرون، هل من الممكن الوصول إلى الخامس والعشرين من شهر يناير المقبل موعد الانتخابات دون وقوع احداث تلغي الانتخابات؟
بل طرح الكثيرون امكانية تأجيل الانتخابات مثلما قال الدكتور سلام فياض الذي شكك في امكانية إجراء الانتخابات في ظل الانقسام في فتح وضعف السلطة عن حماية صناديق الاقتراع. لكن خيار التأجيل يبقى خيارا ملغوما لأن حماس تربط إجراء الانتخابات باتفاق التهدئة مع اسرائيل باعتباره جاء حصيلة حوار القاهرة .
وفي حالة تأجيل الانتخابات فإنها ستكون في حل من التهدئة كما أكد عدد من قيادييها، ولعل نتيجة المرحلة الأخيرة من الانتخابات البلدية تغري حماس بفوز كاسح في انتخابات التشريعي. لكن السؤال هو هل ستستطيع حماس تحمل اعباء السلطة وادارة مفاوضات وتوفير دعم مالي.. الخ؟ ام أنها تريد ان تشرع وفتح تحكم وتفاوض؟
حتى الآن لم يبد في الأفق ما من شأنه ان يبشر بحل أزمة فتح كانسحاب قائمة لأخرى او دمجهما، وحتى الآن فإن الرئيس ابو مازن يعارض فكرة التأجيل باعتبار انه يريد للعملية الديمقراطية ان تستمر مهما كان الثمن ويريد الاستعداد لما ستفرزه الانتخابات الاسرائيلية التي تبشر بأفق تفاوضي.. لكنه يتجاهل حقيقة ان فتح ستخرج أضعف إذا لم تتحد.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين