لم تعد المدارس اليوم تلك الأماكن البسيطة التي يجتمع فيها مجموعة من الطلاب والطالبات بحثاً عن المعرفة، بل تعقد دورها كثيراً لتكون مؤسسات متعددة الاتجاهات والأدوار متجاوزة بذلك دورها التقليدي من تعليم الإنسان إلى بناء الإنسان.

من هنا تأتي إشكالية الوضع التعليمي والمحاولات المستميتة ـ خاصة هنا في دولة الإمارات ـ للنهوض بدور المدارس وإيجاد الصيغة المثلى لعملها ودورها في علاقاتها وتفاعلاتها المعقدة مع الأسرة والطالب والمعلم وكل التكوينات الثقافية في المجتمع.

منذ قيام دولة الإمارات والصحافة تلعب دور الرقيب والمفتش والمتابع لكل صغيرة وكبيرة تقع بين جدران المدارس بنوعيها الحكومية والخاصة. ولسنين طويلة ظل الجدل يدور ويكبر ويعاد عن الوضع التربوي والتعليمي في الدولة، مرة بتناول مشاكل وأحوال المعلمين ومرة بتسليط الضوء على مشاكل الطلاب.

ومرات بتحليل العلاقة بين وزارة التربية والتعليم وإدارات المدارس ومرات بنقاش الوضع المتهالك للأبنية المدرسية وللوسائل التعليمية ووضع المناهج والتعليم العام مقارنة بالتعليم الخاص وغيرها من هذه الأمور.

وكثيراً ما كان الصدام يقع بين الصحافة المحلية ووزارة التربية بسبب الطريقة التي تقوم بها الصحف بتغطية المجال التربوي، والتي لا تروق في كثير من الأحيان للمسؤولين في الوزارة، حتى وصل الأمر في بعض المرات إلى منع الصحافيين من دخول مبنى الوزارة.

وتخصيص نشرات يومية تعدها إدارة التعليم التربوي للصحافيين وتسليمها لهم لنشرها، لأنهم وصلوا إلى قناعة بأن الصحافي يبحث دوما عن المشاكل وعن طرق مختلفة لاتهام المسؤولين بالتقصير.

يقف مجلس دبي للتعليم اليوم أمام تحد كبير لدفع مسيرة التعليم للإمام ولانتشال الوضع التربوي من كل إشكالاته وعقده، وهذا في حد ذاته عمل يحتاج إلى منهج علمي في فهم (المدرسة) كظاهرة اجتماعية بمكوناتها ووظائفها .

ومهما تباينت التعريفات المطروحة للمدرسة من قبل التربويين والباحثين إلا أنهم لا يخرجون عن كونها نظاماً اجتماعياً معقداً قائماً على كم من العلاقات المتبادلة التي لا يمكن ان يتم إحداث تغيير في أحد جوانبها دون ان يؤثر ذلك على الجوانب الأخرى وعلى بنية المدرسة ككل.

يرى كثير من أصحاب الاتجاهات النظرية في علم الاجتماع التربوي ان التعريف الدقيق للمدرسة يبدأ من تحديد العناصر المكونة لها وهي: الطلاب أولاً، والعاملون في المدرسة ثانياً، وبعدهما المناهج والمقررات، والمباني والأجهزة والخدمات وأنماط السلوك والممارسة فيها، والقواعد والمعايير التي تنظم علاقاتهم وتصرفاتهم.

ويأتي في مرحلة لاحقة تحديد التفاعلات الأساسية التي تجري بين كل هذه المكونات والعناصر ثم وفي مرحلة ثالثة تأتي أهمية تحديد الطريقة التي يتم بها تفاعل هذه العناصر مع بعضها البعض.

وتهتم الكثير من الدراسات بالبحث في العلاقات القائمة في داخل النظام المدرسي كوسيلة للخروج من الكثير من المآزق التربوية التي تعانيها المدارس. فهناك بحوث تستهدف قياس آراء الطلاب حول المواصفات التي يرغبونها في معلميهم مثلا، أو كيف ينظر الطلاب إلى أنفسهم والى معلميهم والعكس.

وهو كيف ينظر المعلمون إلى تلاميذهم. وهناك أبحاث تركز على دراسة العلاقة بين إدارات المدارس وبين الطلاب والمعلمين وأخرى عن تأثير المعايير والقيم المدرسية في تحديد طبيعة العلاقات القائمة في المدرسة.

لا نعرف على وجه التحديد ما هو كم الأبحاث التي جرت هنا في دولة الإمارات في المجال التربوي المدرسي والتي تناولت الطلبة أو المدرسين أو العاملين في الميدان التربوي كعينة لها.

ربما يكون من المهم ان يطلع مجلس دبي للتعليم على كل الدراسات المحلية التي جرت على المدارس وان يستعرض نتائجها كإحدى الوسائل للخروج من الأزمات التربوية الحالية في الإمارات، والوصول إلى تحقيق درجة من التفاعل التربوي الايجابي المطلوب سواء بين الطالب والمعلم أو بين الطلاب والمدرسة أو بين المدرسة والأسر او بين الإدارات ووزارة التربية مثلاً.

في تركيز مجلس دبي للتعليم حالياً على ضرورة الارتقاء بقدرات المعلم عملياً من خلال التدريب والممارسة بالإضافة إلى تبنيه سياسة غرس الثقة في نفس الطالب .

وتعويده مستقبلا على الحوار وإبداء الرأي، إلى جانب وضع الأساليب التربوية الحديثة في المدارس المنضوية تحت مظلة مجلس التعليم، يكون بذلك قد بدأ البدايات الصحيحة وراعى ثلاثة من العناصر الرئيسية في العملية التربوية وهي الطالب والمعلم والوسائل التعليمية. إلا ان الالتفات إلى العناصر الأخرى مهم أيضاً،.

والأهم هو رصد التفاعلات الجارية بين هذه العناصر والطريقة التي تتم بها هذه التفاعلات ككتلة واحدة في علاقتها مع العالم الخارجي. هذا النوع من الرصد هو الذي سيكشف ما هي التفاعلات الايجابية وما هي التفاعلات السلبية التي تحكم حاليا الميدان التربوي المدرسي ومن ثم بالإمكان تحديد العلاج المطلوب والبداية السليمة للتغيير للأفضل.

مهما بلغت درجة العتب على الصحافة في علاقتها بتغطية الشأن التربوي وأخبار الوسط التعليمي إلا ان الصحف برصدها للمسيرة التعليمية وبكشفها لكل السلبيات والايجابيات تكون قد أسهمت بشكل جذري في تشخيص الوضع التربوي .

وفي تسليط الكثير من الضوء على الأزمات التربوية التي تعانيها المدارس بكل عناصرها بدءاً من الطالب مرورا بالمدرس.. فالمناهج فالوسائل التعليمية فالمبنى المدرسي فالسلوك فالقواعد وبقية المعايير التي تدخل في بنية المدرسة.

Heyamm@albayan.ae

مديرة ادارة التطويرـ «البيان»