حملت تقديرات موازنة الدولة لعام 2006م التي قدمها الزبير أحمد حسن وزير المالية والاقتصاد الوطنى للبرلمان عددا من المؤشرات الايجابية التي تدل على بداية تعافي الاقتصاد السوداني، ولكنها تظل ميزانية تقليدية تسير في ذات الاتجاه القديم مع الأخذ في الاعتبار الظروف المستجدة اقتصادياً وسياسياً والتي لا تملك وزارة المالية إزاءها خياراً.

استهدفت الموازنة تحقيق معدل نمو اقتصادى يبلغ 10% وهي من أعلى النسب العالمية، والحفاظ على نسبة تضخم في حدود 8% وهي نسبة عالية ولكنها معقولة بمقاييس الدول الافريقية ومتواضعة بما اعتدنا عليه في معظم سنوات التسعينات حين كان الناس يسألون في كل صباح عن قيمة الدولار والريال!

والحفاظ على الاستدانة من النظام المصرفي الذي يسهم في زيادة التضخم بأقل من نصف في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وتأمل في رفع قيمة سعر الصرف للدينار حتى يساوي الدولار 225 ديناراً فقط بدلا من سعره الحالي 232.

واستطاعت الدولة أن تفي بسداد كل التزاماتها الخارجية في عام 2005م وفقا للمعالجة المتفق عليها مع الدائنين ويتوقع أن تفعل ذلك في السنة المقبلة.

وبناء عليه استطاعت أن تطبّع علاقاتها الخارجية مع معظم صناديق التمويل الاقليمية والدولية مما أدى إلى اتفاقيات تمويل في العام الماضي زادت على المليار دولار (سحب منها 229 مليون دولار) وتتوقع في 2006 أن تبلغ تدفقات التمويل الخارجي حوالي 735 مليون دولار.

وتنفيذا لاتفاقية السلام وما نجم عنها من نظام اتحادي لكل الولايات زادت ميزانية حكومة الجنوب بنسبة 5,16% عما كانت عليه في 2005م كما زادت ميزانية الولايات الشمالية بأكثر من 100%، وأرجو أن لا يكون هناك خطأ في الأرقام المنشورة لأني توقعت العكس!

وبلغت تقديرات الانفاق لعام 2006م 2078 مليار دينار (حوالي 9 مليارات دولار) بزيادة 43% من العام السابق بتمويل ذاتي يبلغ 1709 مليار دينار أي بنسبة 82% من مجمل الميزانية وهي نسبة محترمة في دول العالم الثالث.

ولكن يقلل من أهمية هذه النسبة المقدرة أن عائدات النفط تشكل 53% من ذلك التمويل المقدر مما يعنى ضعف الموارد الأخرى وعلى رأسها القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه غالبية أهل السودان في كسب معاشهم، كما يعني احتمال تأرجح هذه النسبة بسبب تذبذب أسعار البترول في السوق العالمي الذي قفز بصورة غير مسبوقة في عام 2005م.

وما عنيته بتقليدية الميزانية هو ضعف الموارد الانتاجية غير البترولية وعلى رأسها الزراعة لأن الميزانية لم تعنى بنهضة القطاع الزراعي إذ لا يتجاوز الصرف عليه في هذه الميزانية والتى قبلها عن 3% من الانفاق العام، في حين أنفقت الميزانية على الفصل الأول (مرتبات وبدلات للدستوريين والموظفين والعمال) حوالي ملياري دولار أي أكثر من 20% على عدد لا يزيد على 3% من السكان!

وبسبب هذه السياسة العرجاء كان معدل النمو في القطاع الزراعي لعام 2005م (5,4%) أي ربع معدل النمو في القطاع الصناعي ونصف معدل النمو في القطاع الخدمي، وهو القطاع الوحيد الذي انخفضت مساهمته في الإنتاج المحلي الإجمالي عما كانت عليه في عام 2004م.

إن البلد الذي يتمتع بـ 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة ولا يستطيع أن يستصلح منها أكثر من 20 مليون فدان، تتناقص ولا تزيد منذ أربع عقود، ويعتبر انتاج الفدان فيها من أقل المقادير مقارنة بالدول المجاورة، وما زالت صادراته الزراعية في حدود 600 مليون دينار كما كانت عليه منذ عقود.

لقد نجحت الهند التي كانت تعاني من مجاعات دورية في إحداث نهضة زراعية هائلة لأنها خصصت موارد مالية للقطاع الزراعي تتراوح بين 23% إلى 39% من موازنتها العامة على مدى ثلاث عقود متوالية حققت فيها الاكتفاء الذاتي من الحبوب ومن الأسماك ومن الألبان بل أصبحت المنتج الأول للألبان في العالم متخطية بذلك الولايات المتحدة الأميركية.

وقد ألزمت الدول الافريقية نفسها بتخصيص 10% على الأقل من ميزانياتها لتطوير القطاع الزراعي من أجل تنفيذ البرنامج الشامل للتنمية الزراعية في إفريقيا الذي وضعته (نيباد) بمساعدة منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة، ولكن السودان يصرف أقل من ثلث هذه النسبة.

وكل حديث عن تقليل حجم الفقر في السودان لا قيمة له دون احداث ثورة حقيقية في القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه حوالي 70% من السكان، ومن المخجل أن تكثر الميزانية الحديث عن تكلفة البديل النقدي للدستوريين والدبلوماسيين والمبعوثين والصرف على الضيافة والمؤتمرات والوفود وتذاكر السفر الخ .

. دون أن تجد الزراعة اهتماما مماثلا عدا بعض المشروعات المحدودة هنا وهناك، ولا تكاد الميزانية تذكر الزراعة التقليدية التي تشكل أكثر من ثلاثة أرباع الرقعة الزراعية. والمجال الآخر الذي لقي إهمالاً من ميزانية 2006م هو التعليم، ولكن لذلك حديث آخر!

كاتب سوداني