لبنان يتجه مرة أخرى لا إلى الطائفية، بل إلى المذهبية، والخشية كل الخشية أن تتحول العبارات الجديدة المستخدمة في قاموس اللغة السياسية إلى واقع مفروض، وهو مقتل لبنان، ومن ثم المنطقة برمتها.
فـ"الوزراء الشيعة" بات مصطلحاً سيستخدمه حتى الشيعة أنفسهم رغم أدبيات كل من حزب الله وحركة أمل، وهما جهتان خاضتا الحرب في لبنان تحت شعار تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وقد نجحتا في ذلك، وكان التحرير عام 2000م هدية لكل الشعب اللبناني بغض النظر عن طوائفه ومذاهبه.
اليوم، وبسبب الخلاف حول تشكيل محكمة دولية لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبسبب التباين والتناقض في مواقف الأطراف المشكلة للحكومة اللبنانية، ينسحب الوزراء الشيعة إضافة إلى وزير مسيحي محسوب على رئيس الجمهورية إميل لحود (الأنباء الأخيرة تؤشر إلى عودتهم لحضور جلسات مجلس الوزراء بعد إعادة مجلس الأمن طلب تشكيل المحكمة الدولية).
ومن يضمن ألا تتكرر المسألة نفسها مع الوزراء أنفسهم في المستقبل أو مع غيرهم من وزراء الطوائف الأخرى، إذا ما تبدلت الظروف، وتغيرت التوازنات.
فلبنان الذي يعتبر في نظر أشقائه العرب منارة للديمقراطية ينسحب تدريجياً من هذا اللقب على حساب الطائفية ثم المذهبية ليعود فيحكم من قبل مجالس مذهبية تعيده إلى نظام المتصرفية في القرن التاسع عشر، وتضعه تحت وصاية دولية لا هم لها إلا حفظ مصالحها في المنطقة والتوسع على حساب غيرها.
إن الخروج من النفق المظلم الذي دخل فيه لبنان بعد اغتيال الرئيس الحريري وسلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي أعقبت الرابع عشر من فبراير الماضي، تقتضي من الأطراف اللبنانية التنازل عن مصالحها الخاصة من أجل لبنان وأجياله المقبلة، حتى لا تتكرر حرب أهلية يتحدث الكثير عن أنها تلوح في الأفق.