شهدت الأيام الماضية نوعاً من التجاذب الإيراني ـ الإسرائيلي، حامي الوطيس، فمن جهة ثمة تسريبات صحافية تحدثت عن احتمال قيام إسرائيل بضرب منشآت إيران النووية، وذلك عشية الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، أي في أواخر مارس المقبل، ما يذكّر بالضربة التي وجهتها لمفاعل «تموز» العراقي (1981).

وتأتي هذه التسريبات، في سياق التحريض الإسرائيلي على إيران، بدعوى تهديدها للاستقرار في المنطقة، وسعيها لحيازة أسلحة دمار شامل، ودعمها للأعمال الإرهابية (بالمصطلحات الإسرائيلية).

ومن جهة أخرى ثمة تصريحات قوية وملفتة وخارجة عن المألوف للرئيس الإيراني الجديد احمدي نجاد دعا فيها إلى محو إسرائيل من الخريطة، كما دعا في تصريحات أخرى كلاً من ألمانيا والنمسا إلى إعطاء إسرائيل أراضي في كل منهما للانتقال إليها بدلاً من فلسطين.

وعلى أية حال فإن عداء إيران لإسرائيل مفهوم وواضح، إذ ترى إيران في نفسها دولة إسلامية، بالمعنى السياسي والأيديولوجي (وليس الديني فقط)، وترى في إسرائيل دولة غير شرعية، لا ينبغي الاعتراف بها ولا التعاطي معها، بل العمل على إلغاء وجودها.

وبديهي أن النظام الإيراني يوظّف هذا الموقف لتحقيق أغراض داخلية وخارجية، تساهم في تعزيز شرعيته وفي إضفاء نوع من الصدقية على الدور السياسي الذي يحاول لعبه في الشرق الأوسط.

أما انشغال إسرائيل بإيران فيشتمل على قائمة من الأسباب يمكن تمثّل أهمها في الجوانب الآتية:

أولاً، ان العداء الإيراني لإسرائيل يتّسم بطابع العداء الأيديولوجي ـ الوجودي، بمعنى أنه ممتد وعميق، ولا يقتصر على الجانب السياسي؛ وربما بهذا المعنى جاءت تصريحات الرئيس الإيراني، التي سبق أن ذكرناها.

ثانياً، ان إيران تحاول بشكل جاد كسر احتكار إسرائيل للسلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمر (إن حصل) من شأنه قلب موازين القوى في المنطقة، وحرمان إسرائيل من ميزة فائقة الأهمية، طالما أتاحت لها تحقيق التفوق الاستراتيجي في المنطقة، لاسيما من الناحية الأمنية.

ثالثاً، تعتقد إسرائيل أن إيران تحاول أن تتنسّم دوراً سياسياً إقليميا، على حسابها، ما يفسّر سعيها لتقليم أظافر إيران وتحجيمها.

رابعاً، ان إيران تمحض دعمها السياسي والمادي لفصائل المقاومة، وضمنها حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

خامساً، تنظر إسرائيل بقلق بالغ إلى تنامي النفوذ الإيراني في العراق، وتعتبر هذا النفوذ خطرا عليها، فهي لا تريد للعراق أن يعود إلى مربع العداء لها وتهديدها في المستقبل مجدداً.

سادساً، تحاول إسرائيل من خلال التحريض على إيران واستهدافها التساوق مع متطلبات السياسة الأميركية في المنطقة، وفي مواجهة إيران بالذات.

سابعاً، من وجهة نظر إسرائيل فإن إيران تمثل تحديا يحسب حسابه، بسبب سياساتها المعادية، كونها ليست مجرد دولة صغيرة في المنطقة، فهي دولة كبيرة بالمقاييس الجغرافية والسكانية، وبالأخص بالمقاييس الاقتصادية والعسكرية، ولاسيما مع وجود الثروة النفطية فيها.

وبالنظر إلى هذه الدوافع فإن المحلل الإسرائيلي سيفر بلوتسكر يعتقد بأنه «في نهاية الأمر لن يكون لإسرائيل سوى تحقيق خيار عسكري لمنع تحقيق كابوس إسلام متطرف مسلح بسلاح ذري.. يجب على إسرائيل أن تشوش على السباق الإيراني نحو الذرة، بمساعدة العالم المتنور أو بغيرها. لا يوجد لها خيار التسليم له.

الحديث عن «ميزان رعب ذري» جديد في الشرق الأوسط سخافة وشر. إيران في 2005 هي دولة عنيفة، ودكتاتورية ظلامية، تدعو علنا إلى القضاء على إسرائيل. لم يحدث قبلُ في تاريخ الإنسانية أن دولة تدعو الى القضاء على دولة أخرى نجحت في أن تضع يدها على سلاح ذري». (هآرتس 6/12/2005)

الآن وبغض النظر عن صدقية التسريبات الصحافية المذكورة، لجهة التفاصيل، فإنها من جهة السياسة العامة تعكس تماما حقيقة التخوّف الإسرائيلي من إيران، ولا سيما من إمكان توصلها إلى امتلاك التسلح النووي.

وما يؤكد ذلك هو قيام العديد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية، التي تهتم بالقضايا الاستراتيجية، بتوصيف إيران باعتبارها أحد أهم مصادر التهديد الأمني الاستراتيجي لإسرائيل، أولاً، بسبب سعيها لحيازة الأسلحة النووية.

وثانياً، بسبب دعمها للمنظمات الجهادية في لبنان وفلسطين. وكان تقرير أمني استراتيجي أصدرته إسرائيل (أغسطس 2004) تحدث عن اختفاء التهديد التقليدي لإسرائيل مقابل بروز تهديدين غير تقليديين، هما السلاح النووي الإيراني والجماعات الإرهابية.

وبحسب أهارون زئيفي ـ فركش، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، فإنه «ما لم يتم إيقاف المشروع النووي الإيراني حتى مارس 2006، فسيصبح الوقت متأخراً جداً». أما ارييل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية، فأكد بأن «إسرائيل لا تستطيع القبول بوضع تمتلك فيه إيران سلاحاً نووياً..

نحن نقوم بكل الاستعدادات المطلوبة لمثل هذه الأوضاع». )«هآرتس» 2005126 وكان دان حلوتس، رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، أكد إنه في غضون 3 أشهر ستصل إيران إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بقدرتها على تصنيع القنبلة النووية.

مع كل هذه التخوّفات فإن إسرائيل تجد نفسها حائرة أو مقيدة في التعاطي مع المخاطر أو التحديات التي تمثّلها لها إيران، وذلك بسبب العبر الناجمة عن الاحتلال الأميركي للعراق، والتداعيات الدولية والإقليمية التي يمكن أن تنتج عن توجيهها ضربة لإيران.

وأيضا بسبب محدودية أية خطوة عسكرية يمكن أن تقوم بها ضد إيران، بحكم البعد الجغرافي وبحكم الميزات التي تتمتع بها هذه الدولة. ويصف تسفي برئيل، الاضطراب الإسرائيلي إزاء إيران على النحو التالي:

«إيران، التي تجعلها أسعار النفط في العالم أكثر ثراءً، في ازدهار اقتصادي..إن مكانة إيران هذه، وبخاصة تعلق روسيا والصين بها ودول أخرى أيضا كاليابان، والهند وباكستان، يخلق انطباعا، أن الغرب لا يملك خيارا حقيقياً حيال تهديد تسلح إيران بالسلاح النووي، سواء أكان حقيقياً أم كاذباً.

(هآرتس 13/12/2005)على أية حال فإن إسرائيل، برغم محدودية قوتها ضد إيران، ستبقى تركز على حرمانها من التمتع بميزة امتلاك السلاح النووي، بشتى الطرق.

وهي تلقى الدعم والمؤازرة في ذلك من تشدّد الولايات المتحدة، ومعها دول الاتحاد الأوروبي، إزاء هذا الأمر؛ خصوصا في ظل المناخات السائدة المتعلقة بالحرب ضد الارهاب وبتنامي المخاوف في العالم الغربي جراء تنامي نفوذ الجماعات الاسلامية المتطرفة والراديكالية.

ولا شك أن تصريحات الرئيس أحمدي نجاد، التي أسلفنا ذكرها، لم تخدم إيران، بقدر ما أنها جاءت لتدعم موقف إسرائيل، دولياً، إزاء أية ضربة محتملة ربما توجهها إلى إيران في مارس المقبل أو في غيره، وهو ما ينبغي التحسّب له من كل النواحي.

كاتب فلسطيني