تبدو إسرائيل غارقة في خضم سلسلة من الهزات السياسية التي تضرب الجسم السياسي والحزبي الإسرائيلي مولدة مزيداً من الهزات بدأ بالانقلاب الحزبي لعمير بيرتس الذي أعاد اليسار النقابي إلى قيادة حزب العمل. الحزب الذي فقد منذ زمن بوصلته العقائدية السياسية والاقتصادية وصار من دون لون معين في السياسة الإسرائيلية.
بيرتس الذي يعتبر نفسه أنه أقرب إلى اشتراكية الطريق الثالث لطوني بلير منه إلى اشتراكيات ولى زمانها وصارت مخيفة للطبقة الوسطى، حقق ثلاثة انقلابات في انقلاب واحد:
أولاً فرض الأجندة الاقتصادية الاجتماعية من جديد على حزبه وثانياً أعاد التأكيد على منطق أوسلو ومدريد والمفاوضات المباشرة مع الشريك الفلسطيني والتسوية النهائية.
وهي عناصر في خطاب سقط في إسرائيل منذ خمس سنوات تقريباً، وكان قد بدأ بالتراجع منذ نهاية العقد الماضي، وثالثاً أحدث ربطاً كان مغيباً عن قصد وعن وعي سياسي بين تراجع الوضع الاقتصادي الإسرائيلية وغياب السلام في المنطقة.
إنجاز بيرتس انه وضع هذه الأمور الثلاث على الأجندة الحزبية والإسرائيلية من دون أن يعني ذلك بالضرورة انها لن تهمش أو تسقط مع الوقت.
شارون من جهته قام بانقلابه على الليكود ليحرر نفسه من قيود عقائدية وحزبية تثقل كاهل حركته، شارون خرج من الصقورية العقائدية التي تكبله إلى الصقورية الأمنية والاستراتيجية التي تسمح له بالحركة حسب رؤيته ومشروعه وبرنامجه، حزب شارون الجديد ضم جمعاً من المحبطين والغاضبين من أحزابهم، من الليكود مروراً بشينوي إلى حزب العمل.
يصنف حزب شارون اليوم بأنه يمثل اليمين البراغماتيكي، لكن الانقلاب الأهم كان على المستوى البنيوي في إسرائيل وتمثل في تكريس دور العنصر الأثني على حساب العنصر الإيديولوجي في السياسة الإسرائيلية والعنصر الآخر الذي كان ينظم أو يحكم السياسات الحزبية الإسرائيلية.
بيرتس يهاجم لأنه «المغربي» الذي استولى على حزب كان تقليدياً حزب الأشكيناز ويتخوف البعض من أن الصراع في إسرائيل، على رئاسة الحكومة قد يكون بين «التونسي» سيلفان شالوم، فيما لو انتصر وتولى قيادة تكتل الليكود على حساب بنيامين نتانياهو، وبين «المغربي» بيرتس.
ويقف أكثر من نصف اليهود الروس الذين يؤيدون البرنامج الاقتصادي الاجتماعي لعمير بيرتس كونه برنامجاً يعبّر عن مصالحهم ضد بيرتس شخصياً لأنه من أصول يهودية شرقية. إسرائيل تعيش أزمة وجودية على مستوى الهوية الأثنية لم تعد تحجبها أو تطمسها مشروعية يهودية الدولة أو «دولة اليهود في العالم»، أو الخوف من «الخطر» الفلسطيني.
انتخابات مارس المقبل في إسرائيل ستشهد صراعاً بين قوى أساسية: الليكود الذي سيبقى معبِّراً أصدق تعبير عن اليمين المتطرف المتمسك بإسرائيل الكبرى والذي يدعو إلى إدارة الظهر كلياً للمسألة الفلسطينية وإلى سياسة الجمود والحفاظ ولو بالقوة على الوضع القائم باعتبار أن الصراع مع الفلسطينيين كما يحلو له أن يردد بنيامين نتنياهو هو صراع وجود لا صراع حدود.
حزب «كاديما» أو حزب شارون الجديد الذي يقدم نفسه كيمين الوسط صاحب التسوية الأحادية في مراحل مختلفة. تسوية بدأت بالانسحاب من غزة وستستكمل في الضفة الغربية باعتبار أنه لا يوجد شريك فلسطيني حسب المواصفات الإسرائيلية للشريك. وحزب العمل الجديد الذي سيلتف حوله ما بقي من اليسار.
الحزب الذي يدعو إلى تسوية تفاوضية شاملة مع الشريك الفلسطيني وهو صاحب خطاب خارج المزاج الوطني الإسرائيلي، يحاول أن يسجل نقاطاً على الآخرين من خلال تركيزه على القضايا الاقتصادية الاجتماعية، لكن هذه في مناخ الانسداد والتوتر تتراجع بسهولة أمام العنوان الأمني أو الوجودي كما يطرحه شارون.
الأخير يبقى حصان الرهان الدولي كما كان حزب العمل في التسعينات باعتبار أنه قادر على أن يقدم الممكن إسرائيلياً وبالتالي المقبول دولياً.
شارون سيبقى ممسكاً بزمام اللعبة. فسياسة وضع العصي في الدواليب، وتسخين الوضع على الأرض وهي سياسة تؤدي إلى مزيد من التأزم والتوتر والصدامات تسهم في زيادة المخاوف في المجتمع الإسرائيلي وتساهم في تعزيز أولوية الشأن الأمني كما يطرحه شارون الذي تدل كل المؤشرات على أنه سيكون المنتصر الأكبر.
لكن شارون قد يضطر إلى إقامة حكومة ائتلافية مع «شريك صغير» هو حزب العمل الجديد الذي قد يشارك في الحكومة باعتبار أن المشاركة هي الخيار الوحيد الممكن للتأثير في السياسة الإسرائيلية.
وفي ترجمة برنامجه الاقتصادي الاجتماعي إلى سياسة رسمية أو بعض من سياسة حكومية. لكن السياسة الأمنية والدفاعية ستبقى شارونية بامتياز ربما مع بعض محاولات تلطيف خطابها من خلال حزب العمل. رغم هذه الانقلابات في السياسة الإسرائيلية.
وهي انقلابات تتولّد عنها انقلابات أخرى، فإن ازدياد الانسداد والتوتر هما عنوان العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية المقبلة. إنها استراحة المحارب حتى استكمال الشروط والظروف لانتفاضة فلسطينية ثالثة لا يبدو أنه يوجد خيار فلسطيني آخر غيرها في الأفق.
كاتب لبناني