فرض موضوع «البيئة» نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول «الصراع» و«التعاون» وكذلك «التباعد» و«التكامل»، حتى بات مبحثا أصيلا منها، تتجاذبه عقول الباحثين في مشارق الأرض ومغاربها.

وتنعقد حوله المؤتمرات والندوات، وترسم حوله «استراتيجيات» دولية، تتناوله إما منفردا، أو في سياق حوار دولي أوسع حول علاقة الشمال بالجنوب، و«فائض القيمة التاريخي»، و«حدود القوة» في النظام الدولي، وكل ما يمت بصلة إلى «العولمة» بمختلف تجلياتها.

وأشكال تواجدها، وحالات التفاعل معها، قدحا ومدحا، وحدود تأثيرها في الزمان والمكان، وكذلك مسألة «الإرث الإنساني المشترك» أو «الممتلكات العالمية المشاعة»، وهي الموارد التي يتاح استخدامها للمجتمع الدولي، والتي لا تخضع للسلطة القانونية لأي دولة، كالمحيطات والجو وقيعان البحار العميقة.

وتقود مكابدات البشر في مواجهة الكوارث الطبيعية، والمشاكل البيئية سواء تلك التي يصنعها الإنسان بيده أم الخارجة عن إرادته، إلى إحساس الناس بالخطر المشترك، وأنهم جميعا في «خندق واحد» لمواجهة «غضب الطبيعة»، الذي يكون في بعض الأحيان أكبر من قدرة أي دولة في العالم على صده ورده، أو التعافي منه سريعا.

ومثل هذه الحالة تساعد إلى حد ما في «أنسنة» العالم، وهي مسألة إن كانت تبدو «طوباوية» في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، فإنه لا يجب أبدا التخلي عن هذه الرؤية المثالية والكفاح من أجل تحقيقها، أو على الأقل الحد من غلواء الصراع، ودفع العالم إلى شريعة الغاب.

وتجد هذه الرؤية ظلها في «القانون الدولي الإنساني»، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة.

وجسد قانونا «جنيف» و«لاهاي» هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين.

وكل ما سبق يمثل «قانون الحرب» وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهوما أكثر تقدما وهو «القانون المضاد للحرب»، أو منع «حق الحرب»، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.

وتسير قضايا البيئة على المنوال ذاته، إذ إن الجهود التي بذلت من أجل بيئة نظيفة وطبيعية، دارت في الأساس حول علاقات دولية «إنسانية»، يتكاتف فيها البشر من أجل مصالحهم المشتركة، ويتعاملون في الوقت ذاته برفق ورحمة مع الكائنات الأخرى التي تعيش معهم، من حيوان ونبات.

ويدل استعراض الاتفاقيات البيئية الرئيسية متعدد الأطراف على هذا الأمر بجلاء، فالاتفاقية الدولية لتنظيم صيد الحيتان (1946) تمكنت بعد إقرارها بتسعة وثلاثين عاما من تعليق صيد هذا الحيوان النادر لأغراض التجارة، وإقامة محميات طبيعية له. ومعاهدة انتاركتيكا ( 1959) وما لحقها من اتفاقية وقعت عام 1980 وبرتوكول مدريد (1991) عملت على حفظ الموارد الحية.

وهناك اتفاقية ماربول (1973)، التي تضع قواعد تفريغ النفط وغيره من المواد الضارة من السفن، بما يحمي البحار من التلوث. وفي العام نفسه وقعت اتفاقية لمنع الاتجار الدولي في الحيوانات المهددة بالانقراض.

وبعدها بست سنوات وقعت اتفاقية للحد من التلوث الجوي. وفي عام 1985 وقعت اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، ثم بروتوكول مونتريال (1987) المتعلق بالمواد المستنفدة من الأوزون. وبعد ذلك بخمس سنوات جاءت اتفاقية الأمم المتحدة حول «تغيير المناخ»، تبعها بعد خمس سنوات أيضا بروتوكول كيوتو حول المسألة نفسها.

وقد أقرت هذه الاتفاقية بالمسؤولية التي تقع على عاتق البلدان المتقدمة عن التغير المناخي الذي ينجم عن أفعال البشر، وفي عام 1992 وقعت اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بالتنوع الإحيائي، وبروتوكول قرطاجة بشأن السلامة في التقنية الإحيائية.

ورغم أن هذه الاتفاقيات لم تلق تطبيقا كاملا، وتشهد انتهاكا لبنودها، خاصة من الدول الكبرى، فإن النضال مستمر في سبيل تنفيذ كل ما حوته، في سبيل نفع البشرية جمعاء، وتعزيز الجانب الإنساني في علاقات الدول.

وما يعزز هذا التوجه أن البيئة صارت محكا مهما لاختبار حدود القوة. فالكوارث تكون في كثير من الأحيان فادحة إلى درجة لا تستطيع أي دولة بمفردها أن تواجهها، مهما كانت قدراتها، ومهما علت مكانتها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت الولايات المتحدة هشة إلى حد كبير في مواجهة إعصاري «كاترينا» و«ريتا»، وأثارت شفقة حلفائها وأعدائها على حد سواء، الأمر الذي عكسته بجلاء عروض التبرعات. فقد وصل الأمر إلى عرض أفغانستان تقديم مائة ألف دولار لمساعدة ضحايا الإعصار.

وتصاعدت حملة التبرعات من 5 ملايين دولار للبحرين إلى 100 مليون لقطر و500 مليون للكويت، مرورا بمليون دولار لنيجيريا وخمسة ملايين للهند، وانتهت الرحلة إلى ألد أعداء الولايات المتحدة، كوبا وإيران، فالأولى عرضت إرسال ألف طبيب و26 طنا من الأدوية، والثانية أبدت استعدادها إرسال مساعدات إنسانية لضحايا الإعصار.

وهنا تعزز قضية البيئة، والتحديات التي تفرضها الطبيعة، الأطروحات التي قدمها العديد من علماء العلاقات الدولية، حين بلغ الغرور منتهاه بالولايات المتحدة الأميركية، عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، فتصرفت في سياساتها الخارجية على اعتبار أن بوسعها أن تفعل أي شيء منفردة، من أجل تحقيق مصالحها، بما في ذلك خوض الحرب، وإسقاط الأنظمة الحاكمة التي لا تروق لها.

فوقتها خرج باحثون ومفكرون كثيرون، بمن فيهم أميركيون، وحذروا من عواقب هذا «الغرور» وطرحوا رؤى مغايرة، مفادها أن للقوة حدودا، وأن أي دولة مهما علت فهي في حاجة إلى مساعدة الآخرين، بدءا من النصيحة وحتى التعاون في صورته المادية الظاهرة والموسعة.

وفي الوقت الراهن، يعيد أنصار البيئة إنتاج هذه الرؤية، مؤكدين أنه من الضروري أن تتكاتف الدول في سبيل التغلب على المشكلات التي تنجم عن الكوارث الطبيعية، وأن العالم في حاجة إلى أن يصبح أكثر إنسانية.

ـ مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة