هل من الممكن واقعياً تصوّر أي علاقة تربط بين «المحرقة اليهودية» والوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
نشأ السؤال في ذهني وأنا أطالع في الأخبار تصريحاً للناطقة باسم هذه المنظمة الدولية، ينطوي على «إدانة» لتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التي يشكك من خلالها في صحة المحرقة اليهودية. فالسيدة ميليسا فليمنج الناطقة الرسمية باسم الوكالة وصفت التصريحات الإيرانية بأنها غير مقبولة.
وحتى لو كانت هذه السيدة يهودية أو متعاطفة مع الأمة اليهودية، فإن التساؤل يبقى مفتوحاً: ما شأن منظمة دولية تشتغل بشؤون الطاقة الذرية بقضايا الجدل السياسي الصرف؟
لقد أجهدت ذهني بالتفكير حول احتمالات تفسير مسلك هذه السيدة التي تتحدث علناً في شؤون سياسية نيابة عن منظمة دولية ليست سياسية، فلم أهتد إلا لتفسير واحد، وهو أن المحرقة اليهودية على أيدي النازيين في ألمانيا صارت في الغرب كما يقول الرئيس الإيراني من أقدس الأقداس ـ بل أقدس من العقائد الدينية.
في الغرب بوسع شخص ما ـ يقول نجاد ـ أن يسب الذات الإلهية أو حتى يشكك في وجود إله يحكم الكون دون أن يخشى أي عقاب من السلطة.
فالإلحاد في الغرب يدخل في تصنيف الحرية الشخصية.ولكن إذا أعلنت تشككاً في صحة المحرقة اليهودية، فإنك تقع تلقائياً تحت طائلة القانون الجنائي. فالتشكيك في المحرقة جريمة يعاقب عليها القانون.وعلى هذا المنوال، فإن الدولة اليهودية الإسرائيلية تعتبر أيضاً ـ وبالامتداد الطبيعي ـ من المقدسات الغربية.
لهذا تقول السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية إن إيران أصبحت «مشكلة من عدة نواحٍ». فالنواحي التي عددتها رايس كلها تتصل بأمر إسرائيل وأمنها وضمان بقائها متفوقة في العالم الإسلامي والعربي.
فإيران ـ وفقاً للسيدة رايس ـ لها نشاطات نووية. وبينما هناك عشرات من الدول التي تمتلك برامج نووية، فإن الضجة تثار حول البرنامج الإيراني لأنه قد يمثل تهديداً مستقبلياً لإسرائيل.وإيران «مذنبة» لأن لها نظام حكم إسلامي يستنفر المسلمين صوب القدس.
وتأخذ رايس على إيران تدخلها في الشؤون العراقية، وكأن الوجود الاحتلالي الأميركي على الأرض العراقية ليس تدخلاً. ومن سخرية القدر في هذا السياق أن السلطة الاحتلالية الأميركية متحالفة مع التنظيم الشيعي الأكبر في العراق المتحالف بدوره مع إيران.
ولإيران «ذنب» آخر وهو «دعم الناشطين الذين يتصدون للجهود التي تبذل من أجل وضع حد للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.. والإشارة هنا إلى «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» ـ أي الفصائل التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي بقوة السلاح.
إن إيران أصبحت حقاً «مشكلة» من المنظور الأميركي، وليت كل الدول العربية والإسلامية تتحول إلى مشكلة أمام الشراكة الأميركية ـ الإسرائيلية.