لم تأت رياح مجلس الأمن الدولي كما تشتهي سفن المستقوين بالخارج اللبناني على داخله ولا وفق أهواء الراكضين واللاهثين نحو معاقبة سورية وربما عزلها وحصارها، فخسرت القلة التي تمثل أكثرية نيابية نظرية فرضتها ظروف معروفة وضغوطات وأكاذيب معروفة، خسرت هذه القلة رهانها ولم تربح الشارع اللبناني.
كانوا يراهنون على مشروع قرار «قوي» يوجه إدانة لسورية، ويفتح أبواب التدويل التام للقضية عبر محكمة ذات طابع دولي وفتح الملفات اللبنانية كاملة أمام لجنة التحقيق الدولية مع كل مايعنيه ذلك من تشكيك بنزاهة وحيادية وحرفية القضاء اللبناني، وهذا كله لم يقرؤوه على أنه مس بالسيادة والكرامة الوطنية للبنان.
من يقرأ مشروع القرار الأولي قبل التعديل ومن ثم يقرأ القرار الذي صدر بعد التعديل سيكتشف إلى أين كان هذا الفريق يريد أن يدفع الأمور، وإلى أي خندق كان يريد أن يجر لبنان.. ويجر معه المنطقة، ومع ذلك كان هذا الفريق الذي لم يخف خيبة أمله لا يزال يحاول إعطاء دروس في الوطنية والأخلاق للبنانيين الشرفاء الذين دفعوا من دمائهم الطاهرة الزكية ثمناً غالياً لتحرير الجزء الأكبر من جنوب لبنان والذين يسهرون على حماية الوطن والذود عن حياضه وأرضه وكرامته واستقلاله.
الوطنية ليست خطابات طنانة ورنانة وزعيقاً ووقاحة تجاوزت حدود الأدب واللياقة واتهامات باطلة مبنية على نيات أكثر من باطلة، بل هي نيات من يريد الهروب إلى الأمام بعد أن سقطت ورقة التوت عن عورته وسوءاته..
الوطنية ممارسة يفتقدها من يجهد نفسه من أجل الإساءة لسورية وتاريخها المشرف على الصعيد القومي، والتنصل من عقد الدم ووحدة المصير السوري ـ اللبناني، والتنكر لكل ماهو خير وشريف في لبنان العربي الحر السيد الذي أسقط حلقات المؤامرة تباعاً.
والوطنية لا تكون من خلال العمل مع الأجنبي وأعداء لبنان على توظيف مجلس الأمن لمعاقبة سورية والمس بسيادة واستقلال كلمة لبنان، والسعي إلى تجييش العالم ضد كل ما هو وطني في لبنان وسورية، والانخراط الكلي في المشروع الأميركي ومن خلاله حكماً في المشروع الصهيوني، وإن حاول هذا الفريق النأي بنفسه عن ذلك.. لكن من يفرط بحقه في أبسط الأمور، ويدعو دول العالم وأجهزة استخباراتها الداخلية !!
للتحقيق أو للتباحث في شأن داخلي لبناني، ويعلق الآمال العريضة على قرارات دولية تنصره على الشارع اللبناني وعلى فريق كبير له وزنه ومكانته ودوره على الساحة اللبنانية، من يفعل كل ذلك إنما يتنكر ـ اعترف بذلك أم لم يعترف ـ لهويته اللبنانية ولمرتكزات السياسة الوطنية والقومية اللبنانية، حتى لو كانت تصريحاتهم الإعلامية والإعلانية تقول عكس ذلك.
لم يخف فريق معاداة سورية خيبة أملهم من قرار مجلس الأمن الجديد، فقد ظنوا أن قرار إدانة سورية أصبح في جيوبهم وأن المحكمة الدولية ستنصب غداً، وإن فريق التحقيق الدولي المكلف بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري أصبح من أهل الدار يحق له الوصل والقطع والبت إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، ليس لأن مجلس الأمن الدولي اتخذ قراراً متوازناً، بل لأن هناك من رأى أن ماجرى ليس إلا احتمالات وتقولات وفرضيات.. والعدالة لا تستند إلى مثل هذه الأمور.
فهل يصحو هذا الفريق من أحلام اليقظة ويتوقف عن هلوساته وجنونه؟