اللعبة أصبحت مكشوفة تحت غطاء «تحقيق دولي» قد تعقبه «محكمة دولية» لمدى سنين متصلة تبقى سوريا رهن ابتزاز سياسي لأجل غير مسمى.
ميليس وبوش وحكومة السنيورة ومن ورائها أقطاب «حركة 14 مارس».. هؤلاء هم العناصر الرئيسية للعبة، ويمكن أن تضيف إليهم إسرائيل المستفيد الأكبر من اللعبة القذرة.
حتى قبل أن تبدأ عملية التحري الأمني في حادثة اغتيال جبران تويني تناغمت صرخات أعضاء اللعبة على نحو فوري متزامنة مع بعضها البعض في دمغ دمشق بإدانة مسبقة من دون أن يتقدم أي أحد بأي دليل.
سياسي لبناني معروف، كان أول الصارخين.. وعلى الفور تبعه رئيس الوزراء، وذلك على خلفية وقوف ميليس أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي يتلو عليهم تقريراً يبدأ وينتهي بإدانة سوريا بأسلوب التكهنات الإعلامية مرتقياً بالاشتباه إلى مستوى الاتهام اعتماداً على قرائن ظرفية مشكوك في صحتها.
ولم يتأخر جورج بوش، ففي اليوم التالي مباشرة أعلن بكل ما يملك من جرأة التضليل الصريح أن اغتيال تويني يشكل محاولة لإبقاء هيمنة دمشق على لبنان.
في تقريريه الأول والثاني إلى مجلس الأمن الدولي، اتخذ المحقق ميليس من تركيز الاشتباه في سوريا، فرضية رئيسية لمسار التحقيق، وكأن من المستحيل اعتماد فرضية أخرى كالاشتباه في إسرائيل مثلاً.
وإذا افترضنا جدلاً أن الأجهزة السورية هي المسؤولة عن تدبير وتنفيذ حادثة اغتيال الحريري على أساس سوء تقدير في حسابات العواقب فهل يعقل أن دمشق هي أيضاً التي دبرت ونفذت اغتيال سياسي لبناني آخر بقامة جبران تويني بينما هي لا تزال تعاني محاصرة دولية بسبب تداعيات قتل الحريري؟
لماذا لا يفترض ميليس أن الموساد الإسرائيلي هو المسؤول عن قتل تويني ـ أحد أكبر الخصوم السياسيين اللبنانيين لسوريا ـ من أجل تثبيت الشبهة على الأجهزة السورية في ما يتعلق بحادثة اغتيال الحريري؟
بعد شهور من التحريات، طلب ميليس من مجلس الأمن الدولي تمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية. والآن ولدى تقديم تقريره الثاني فإنه يطلب مدة شهور أخرى.. هي نفسها «قابلة للتجديد» على حد قوله لكن الأكثر إثارة أن ميليس عمد إلى تهيئة الأذهان بأن عملية التحقيق قد تمتد إلى سنوات مبرراً ذلك ببطء وتيرة التعاون من جانب سوريا.
هذه هي اللعبة إذن: إبقاء سوريا في حالة شلل سياسي ودبلوماسي لمدى سنين مع التعامل مع لبنان وكأنه تحت وصاية دولية. واللعبة داخل اللعبة هي فتح لبنان للهيمنة الأميركية من دون حرج تحت غطاء التحقيق الدولي بتعاون كامل من أقطاب «حركة 14 مارس».
إن مشكلتنا العظمى في الوطن العربي ليست التدخل الأجنبي بقدر ما هي أن العالم العربي يعاني من البعض الذين لا يجدون حرجاً في الاستعانة بالأجنبي على شقيقهم العربي.