تويني والاغتيال السياسي

تويني والاغتيال السياسي

لا يمكننا إلا أن ندين الجريمة التي استهدفت حياة النائب اللبناني وصاحب الكلمة الجريئة جبران تويني، وأن نقف بكل تقدير واحترام، أمام إصراره على الإعلان الواضح ودفاعه عن مواقفه بكل شفافية وصراحة، على النقيض من سلوك العديد من أرباب السياسات اللبنانية الذين تنقلوا بمواقفهم من خندق إلى آخر طوال عقود الأزمات اللبنانية منذ العام 1975.

إن عملية اغتيال النائب اللبناني الصحافي اللامع ورئيس تحرير صحيفة «النهار» الراحل جبران تويني صبيحة 12/12 الجاري، تأتي في سياق المسلسل الدموي الذي ضرب لبنان منذ اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري.

ورب سائل يسأل عن مغزى هذا التردي المريع، والاستهدافات السياسية من وراء تفجير الوضع الداخلي اللبناني، مع استسهال وسيادة منطق القتل البشع، وتنويعه من خلال تناول شخصيات لبنانية من مختلف الطوائف والمذاهب الفكرية والسياسية. على الرغم من الإجماع اللبناني عند جميع الأطراف، بما فيها الأطراف الميليشياوية التي انغمست في مراحل سابقة بالحرب الأهلية الداخلية، على نبذ العنف، والرضوخ لمنطق العقل وللمصلحة الوطنية اللبنانية التي تقتضي تعايش الجميع في وطن واحد موحد، وتحت سقف القانون، وطي الصفحات السلبية من ملف العلاقات السورية ـ اللبنانية.

والجواب، يكون بالقول، إن الأطراف المتضررة من السلم الأهلي في لبنان، ومن التنفيس النسبي لأجواء الاحتقان بين لبنان وسوريا، والساعية إلى توجيه المزيد من الضغوط على دمشق، هي بالضبط الأطراف التي تحاول العبث بالوضع الداخلي اللبناني، وإعادة ذر بذور الانقسام والحروب الأهلية الداخلية من جديد. وتوجيه الأذى القاتل الى سورية الموضوعة تحت الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي منذ سقوط بغداد في مارس 2003.

وحسناً فعلت غالبية الأطراف اللبنانية المحسوبة على صف السلطة والمعارضة، من خلال تجنبها إطلاق التصريحات العشوائية أو الموتورة ضد بعضها البعض وضد بلد عربي لصيق بلبنان تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وتركيزها على ضرورة العمل الحثيث وبصبر دؤوب من أجل ملاحقة الفاعلين وكشف هويتهم، ومن يقف وراءهم. والتأكيد على مبدأ رفض الاغتيال السياسي، والتمسك بوحدة الدم اللبناني، وعلى السير قدماً في استكمال بناء عناصر السلم الأهلي التشاركي، وفق أوسع مشاركة لألوان الطيف السياسي اللبناني.

إن انفتاح القوى السياسية اللبنانية على بعضها البعض، على الرغم من الاصطفافات القائمة حالياً، ومايعتورها من ثغرات وسلبيات، هذه النجاحات كانت كفيلة لاندفاع القوى المعادية، وإسرائيل تحديداً للعبث بالوضع اللبناني، ومحاولة إيقاظ الفتن وتحريك الغول القاتل من قمقمه، وفي سعيها لتحقيق جملة من الأهداف في إعادة تعويم وخلط الأوراق وزيادة منسوب التطاحن السياسي في المنطقة. فالطيران الإسرائيلي يحلق كل الأوقات في سماء لبنان، وأجهزة الموساد متغولة في العمل على دائرة الساحة اللبنانية من أقصاها إلى أقصاها.

وتاريخياً، إن إسرائيل لا تعرف ولا تعترف بالضوابط خصوصاً في زمن الصمت الأمريكي، فهي أول الأطراف المستفيدة من انفلات العنف الدموي في لبنان، وطالما دأبت على ممارسة كل أشكال الاغتيالات منذ تأسيسها، عندما نفذت مجموعات الموساد الإسرائيلية بقيادة الجنرالين إيهود باراك وأمنون شاحاك، تصفية الشهداء القادة : كمال ناصر، كمال عدوان، محمد يوسف النجار. وقبل أيام قليلة حاولت تصفية أحد قادة المقاومة وحزب الله في مدينة بعلبك في سهل البقاع اللبناني.

إن من تابع مواقف الراحل جبران تويني من المتفقين أو المختلفين معه على حد سواء، عليه أن يقف باحترام أمام عناده وصبره في الدفاع عن قناعاته ورؤيته. وعليه، نتمنى أن تكون عملية الاغتيال التي طالت حياة النائب الراحل الصحافي جبران تويني، آخر عملية إجرامية في المسلسل الدموي إياه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات