المحاولات الخبيثة لإغراق المنطقة العربية في دوامة الفوضى غير البناءة، ولإيقاعها في شرك الفتنة الكبرى بين شعوبها بمسلسل التفجيرات الإرهابية والاغتيالات الإجرامية يستدعي من كل العرب أقصى درجات الانتباه لمخاطرها والوعي بأسلوبها والمبادرة إلى مواجهتها، وهذا يتطلب صوتاً عربياً لا يقبل بالصمت، وعملاً عربياً لا يكف عن الحركة، ولأن الفتنة نائمة يلعن الله من يوقظها ويبارك الله من يخمدها.
يأتي التحرك العربي الإيجابي ممثلا في الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لمواجهة التداعيات الخطيرة لتطورات الأحداث في لبنان، ولقطع الطريق أمام المحاولات الشريرة لتفجير السلم الأهلي، ولاحتواء التصاعد الخطير في التوتر السياسي بين بيروت ودمشق بعد جريمة اغتيال الصحافي والسياسي اللبناني جبران توينى تعبيراً عن الحرص العربي على أمن لبنان وسلامة سوريا.
ويأتي إعلان الأمين العام أن هناك أيادي شريرة تسعى لضرب الاستقرار في لبنان، وتعمل على الفصل بين لبنان وسوريا تأكيدا للإدراك السائد لدى معظم المراقبين السياسيين العرب بأن ما جرى ويجري في لبنان من جهة، وما جرى ويجري بين لبنان وسوريا من جهة أخرى، إنما هو نتاج مؤامرة دولية تستهدف لبنان وسوريا معا، عقاباً على مواقفهما المشتركة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري والجنوب اللبناني، ودعمهما المشترك للمقاومة الفلسطينية، ورفضهما معا للتوجهات الأميركية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي ولمشاريعها في المنطقة، خصوصا مع ما تحدثت عنه صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية من وجود استراتيجية أميركية فرنسية للإطاحة بالنظام في سوريا ستستند على تقرير «ميليس» وأن ذلك في مصلحة إسرائيل.
وقد سبقت مساعي عمرو موسى الخيرة بين بيروت ودمشق مبادرة خيرة أخرى بدعم من الجامعة العربية وبمباركة عربية مصرية وسعودية وجزائرية سعى بها الدكتور مصطفى إسماعيل وزير الخارجية السودانية في محاولة لإزالة التوتر بين البلدين الشقيقين، ونزع الشكوك بين الشعبين، وتهيئة الأجواء للتعاون المشترك مع لجنة التحقيق الدولية للكشف عن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ونجحت تلك الجهود في تحسين نسبي للعلاقات، كان من آثاره اللقاء الإيجابي الذي عقد في «برشلونة» بين الرئيس السنيورة والوزير الشرع والإعلان عن فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية..
وأعقب ذلك مباشرة حدث كشف زيف المعلومات التي استند عليها تقرير «ميليس» الأول في اشتباهه في مسؤولين لبنانيين وسوريين، وذلك بسحب الشاهد المقنع «هسام طاهر هسام» لشهادته التي قال إنه أدلى بها تحت الاضطرار، مما قوض مصداقية التقرير.
لكن يبدو أن الأيادي الشريرة المصممة على إشعال الفتنة ونشر الفوضى رأت في هذا التحول إحباطا لمخططها الخبيث، وبحثت في كيفية شحن الأجواء من جديد ضمانا لنجاح المؤامرة، فكان التفجير الإجرامي لسيارة النائب جبران تويني المعروف بمعارضته للسياسات السورية وسيلتها لتفجير الوضع في لبنان من جديد، وتفجير العلاقات السورية مرة أخرى في ظل دوامة من الغضب المتشنج والاتهامات الفورية لسوريا بالوقوف وراء الاغتيال.
ويرى معظم المراقبين أن الظرف الذي جرى فيه الاغتيال لا يمكن أن يشير منطقيا إلى اتهام سوريا..فسوريا المشتبه في تورطها باغتيال الرئيس الحريري من قبل القوى السياسية اللبنانية المعارضة للسياسات السورية، ومن قبل الدوائر الإسرائيلية والأميركية المعادية لسوريا، لا يتصور عقل محايد أن تقدم على مثل هذا العمل الإجرامي الأحمق لتثبيت التهمة ضد نفسها، خصوصا قبل ساعات فقط من جلسة مجلس الأمن الدولي للاستماع إلى تقرير ميليس في ظل أجواء ملبدة أصلا بالشكوك تجاه دمشق، وإشارات أميركية وفرنسية باستهداف سوريا.
وإذا كانت الاتهامات الفورية التي أطلقت في بيروت، وأجواء الغضب المشحون التي تفجرت في جنازة تويني، والمطالب المتسارعة بتوسيع التحقيق الدولي ليشمل كل الجرائم، ودعوة الحكومة اللبنانية مجلس الأمن بتشكيل محكمة دولية مما أثار مخاوف القوى السياسية اللبنانية الأخرى خشية التدويل الشامل للشؤون اللبنانية مع ما لذلك من تداعيات سلبية على مفهوم الاستقلال والسيادة، مما أدى إلى تعليق هذه القوى عضويتها في الحكومة، بما يهدد بعودة الانقسامات من جديد، مما يشير إلى نجاح الأيدي الشريرة في سعيها الشرير لزرع الفتنة بين سوريا ولبنان.
لكن الأمر في النهاية يتوقف على حكمة الحكماء وعقلانية العقلاء في لبنان وفى سوريا وفى الوطن العربي الذين بمقدورهم إفشال هذا الهدف الشرير، وعدم السماح للمؤامرة الدولية على لبنان وعلى سوريا أن تمر..
وقد ارتفعت بالفعل أصوات العقل الداعية إلى المنطق في الفهم وإلى الحكمة في التعامل مع الموقف، في مقابل التسرع في الاتهام، والتشنج في ردود الأفعال..وكان من أبرز هذه الأصوات الأستاذ غسان تويني رئيس تحرير جريدة النهار والد الفقيد الذي كانت كلمته في التشييع أساساً للقاء لا الفرقة، قائلا لا للحقد، ولا للانتقام، وكان من أكثر هذه الأصوات منطقية الجنرال ميشيل عون في تصريح لافت لا يرى فيه سببا للمسارعة باتهام سوريا دون دليل قائلا : بالأمس كنا نتهم إسرائيل كلما وقعت جريمة، واليوم انقلبنا نتهم سوريا كلما وقع حادث، وفى هذا هروب من تحمل مسؤولياتنا.
كما استوقفنى أيضاً حديث نائب البرلمان اللبناني سليم عون الذي قال في لقاء مع تلفزيون لبنان تعليقا على التقرير الثاني لميليس، وعلى الاتهامات المتسرعة ضد سوريا: هناك شكوك، ثم إذا توافرت أدلة تحولت الشكوك إلى اتهامات، والمحكمة هي التي تقرر بعد ذلك ما إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة فتحكم بالإدانة أو غير ذلك فتحكم بالبراءة، والقاعدة القانونية تقول إن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، فكيف يمكن لأحد أن يتهم سوريا دون دليل، وكيف لنا أن نتهم سوريا بينما ميليس نفسه لم يوجه الاتهام لا لسوريا ولا لأحد حتى الآن ؟!.
ولأن الموقف مصيري، وحتى لا ينزلق لبنان إلى ما يهدد وحدته الوطنية ولا سلمه، وحتى لا يتحول الأشقاء السوريين واللبنانيين من حلفاء الأمس إلى أعداء اليوم كما تريد لهم الأيدي الشريرة يكون مطلوبا من جميع الفرقاء مزيد من الوحدة الوطنية اللبنانية بالحوار الديمقراطي، وبالتوافق الوطني بين القوى السياسية الأساسية لقطع الطريق على محاولات زرع بذور الانقسام والاستقطاب والمواجهة.
ويكون مطلوبا أيضا مزيد من الوحدة الوطنية السورية، وفتح طريق الحوار بين كل القوى الحاكمة والمعارضة، على قاعدة التصدي المشترك للاستهداف الدولي ضد سوريا، على أن تستجيب القيادات في البلدين الشقيقين للمساعي العربية لوقف التدهور في العلاقات بينهما والتعاون المشترك من أجل كشف الحقيقة التي هي طريق البلدين إلى علاقات صحية وأخوية، وقد تظهر الحقيقة أن أصحاب الأيادي الشريرة ليسوا لبنانيين أو سوريين، أو يكون العقاب العادل هو سيف القانون في مواجهة المجرمين أيا كان هؤلاء المجرمون.
في النهاية إن ما يجمع الشعب العربي الواحد في سوريا ولبنان أكبر من أن يفرقه المتآمرون على سوريا ولبنان، وما يربطه التاريخ والجغرافيا والمعركة المشتركة لتحرير الأرض العربية في الجولان السورية وشبعا اللبنانية غير قابل للانفصال.. وتحية لكل الجهود العربية المخلصة التي تسعى لتأكيد الحضور العربي في المشهد اللبناني السوري حتى لا يبقى مكشوفا للأيادي الشريرة.
**كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com