كانت الجولة الثالثة والأخيرة للانتخابات مثيرة للجدل والاهتمام، ليس داخل مصر وحدها بل امتد ذلك إلى كل المنطقة العربية بل وبعض العالم. وهذا أمر طبيعي بسبب دور وأثر مصر. فقد أظهرت الانتخابات صعوداً ملحوظاً للتيار الإسلامي في الحياة السياسية المصرية. فالإخوان المسلمون كيان سياسي محظور قانونياً وموجود واقعياً، وبالتالي يطرح السؤال حول إمكانية دمج أو اندماج الحركات الإسلامية في العملية الديمقراطية والإقرار بها كثقافة ووسيلة سياسية للتداول السلمي للسلطة.
وليس باعتبارها وسيلة فقط للوصول إلى السلطة وإسقاط قيم وممارسات الديمقراطية الخاصة بقبول الآخر المختلف (حتى لو كان مسيحياً أو ملحداً) واحترام حقوق الإنسان ومساواة المرأة والأقليات. وهنا يدور النقاش حول قبول الإخوان المسلمين والإسلاميين عامة في العملية السياسية حسب الدستور القائم والالتزام بقوانين اللعبة الديمقراطية.
رفع الإخوان المسلمون شعار: «الإسلام هو الحل» وقد رفضت الأحزاب الأخرى وبالذات الحزب الوطني الحاكم هذا الشعار الديني والطائفي (أي يثير الفتنة الطائفية- حسب رأيهم) وحاول الإسلاميون شرح هذا الشعار باعتباره لا يتناقض مع الدستور المصري الذي تقول المادة الثانية فيه، بأن الإسلام هو مصدر للتشريع أو بصورة أدق أعلنت أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وبالتالي يمكن أن يكون نظاماً للحياة أو مصدراً للتشريع. وقد يعتبره البعض أكثر اعتدالاً فقد رفع البعض شعاراً مثل «القرآن هو الحل» وقد حاول الإخوان المسلمون شرح هذا الشعار بل توضيحه عملياً من خلال برنامج انتخابي يشرح ماذا يقصدون واقعياً بهذا الشعار.
أعتقد أن طرح البرنامج ـ حتى قبل التطبيق أو عدمه ـ يساعد في فكر الجماعة. فقد جاء البرنامج علمانياً أو ليبرالياً في أغلب أجزائه ويمكن القول ان برنامج الإخوان في عمومه يمكن أن يتبناه أي حزب آخر غير ديني وبعيداً عن الشعار المرفوع. فقد أكد البرنامج قبوله لركائز الدستور المصري الحالي، كما أضاف بعض الفقرات الحديثة والتي أصبحت ديباجة في الفترة الأخيرة لكثير من الأحزاب. فقد تحدث برنامج الإخوان عن حقوق الإنسان والحريات العامة والمجتمع المدني والانتخابات والبرلمان.
وإن كان بعض المعلقين قد لاحظ تناقض البرنامج الذي حاول بصعوبة التوفيق بين «المرجعية الإسلامية» و«الآليات الديمقراطية» (محمد السيد سعيد، الأهرام 7/11/2005) لذلك يدخل البرنامج في تفاصيل ذات طابع أخلاقي ضيق. فقد تضمن البرنامج مثلاً مطلباً هو: «الفصل بين البنين والبنات في مراحل التعليم المختلفة» وهي تشمل الروضة والحضانة. وقد يقول المرء ان الإخوان تبنوا برنامجاً علمانياً حاولوا قسراً أسلمته.
وهذا هو مأزق الحركات الدينية عموماً، فهي جيدة على مستوى الشعارات الجاذبة للجماهير المحتارة والمحبطة، ولكن حين تحكم هذه الجماعات الدينية فهي تتحول إلى أداة جيدة للإحباط والفشل والقمع كما رأينا في تجارب عديدة في العالم الإسلامي. فالإسلاميون ومنهم الإخوان المسلمون يمكن أن يكونوا معارضة جيدة ولكنهم حكام سيئون كما دلت تجارب رصفائهم في السودان وأفغانستان وإيران. وبالمناسبة لا يمكن الاستدلال بالتجربة التركية، فالإسلاميون يحكمون ضمن دستور علماني صريح وليد إلغاء الخلافة الإسلامية منذ عام 1924.
مازال الإخوان المسلمون المصريون يترددون حول أولوية الدعوة أو التربية من ناحية والسلطة والسياسة من ناحية أخرى. وكان مؤسس الحركة الشيخ حسن البنا مع الدعوة والتربية لذلك رفض الحزبية مطلقاً ورأى فيها الفرقة والتشتت. وهذا الجدل ثار في السودان ولكن الأغلبية بقيادة الترابي ضحت بفكرة التربية أولاً.
وهذا من أسباب الانقسام منذ البداية داخل الحركة في السودان. وقد لاحظت أن محمد مهدي عاكف مرشد عام الإخوان المسلمين يميل ـ رغم كل هذه الضجة الانتخابية ـ إلى تيار التربية. إذ يقول في تصريح قبل الانتخابات: «إن الانتخابات جزء بسيط من نشاط الإخوان الذي يركز أساساً على التربية وإعداد المجتمع». (صحيفة الحياة، 5/11/2005) ويضيف أن الجماعة كانت تستطيع أن تطرح 444 مرشحاً لتخوض بهم الانتخابات أسوة بالحزب الحاكم، لكنها فضلت أن لا تستفزه ورشحت 150 فقط، سعياً إلى تحقيق وحدة الأمة- حسب تصريحاته.
وهنا لابد من الإشارة إلى وجود تباين داخلي بين شباب وشيوخ الإخوان. لأن مثل هذه التصريحات لا يمكن أن يطلقها قيادي شاب كعصام العريان. وهذا صراع كامن لا يمكن تجاهله وإن كان يمكن الصمت عنه حالياً وسط فرحة الانتصارات.
تقدم الانتخابات المصرية دروساً أخرى للآخرين من أهمها أن الشعوب العربية لم تعد تهتم بالسياسة نتيجة لسياسات حكوماتها. فقد كانت اللامبالاة واضحة والانصراف عن المشاركة العادية أو النشطة. فقد كانت نسبة المقترعين في هذه الانتخابات 5,28% في الجولة الأولى نزلت إلى 2,26% في الجولة الثالثة أي حوالي ربع من يحق لهم التصويت. وهذه نسبة متدنية جداً ولكنها معبرة عن ما يمكن تسميته «تصويت عدم التصويت».
ومن ناحية أخرى، اعتبر بعض المحللين أن هذا الاختيار هو تصويت عقابي للحكومة أكثر منه تأييداً للحل الإسلامي. ولكن يمكن أن نضيف أن العقاب طال أحزاب المعارضة الأخرى أيضاً لأنها غابت عن الجماهير تماماً وظهرت في موسم الانتخابات لذا رفضتها الجماهير وأسقطت قيادتها. وفي النهاية يتمنى الكثيرون أن يكون هذا الاختيار هو بداية لقيام نظام الحزبين في مصر. وهذا تغيير سياسي إيجابي كمرحلة أولى في التحول الديمقراطي.
أما الدرس المصري الأهم فهو ضرورة وجود قانون انتخابي متطور ولا أدري لماذا تراجع المصريون عن نظام القائمة النسبية أو نظام القوائم. فهو يجنب الاعتماد على العصبيات الاجتماعية على الأقل في دوائر معينة يتنافس فيها أفراد بلا برامج انتخابية. كما يجب أن يحدد قانون الانتخاب الأموال المرصودة للدعاية، فقد لعب رأس المال دوراً مؤثراً في هذه الانتخابات.
كاتب سوداني