تعهد صناع أسطورة أبومصعب الزرقاوي ب«غزوة» لإفساد الانتخابات العراقية التي أسموها «عرس الكفر والعهر». والموقع الرسمي لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين على شبكة الانترنت يحمل مقالا افتتاحيا هي فتوى من علماء التنظيم حول الديمقراطية. الخلاصة في الفتوى: الديمقراطية كفر.
وفي مصر التي انتهت انتخاباتها التشريعية في الايام القليلة الماضية، تقدم الاخوان المسلمون رغم ضربات السلطة الامنية لهم وفازوا بحوالي 88 مقعدا من 444 مقعدا في مجلس الشعب المصري. وعدا الارباك والتشويش الذي يمثله هذان الموقفان المتعارضان من الديمقراطية لملايين المسلمين، فإن العنف المصاحب للانتخابات يقودنا للتوقف والبحث عن تفسير له، بل يدفعنا باتجاه اخر.
الاجوبة تبدو سهلة اقله بالنسبة للعراق، اما في مصر فإن عنف الانتخابات ليس امرا جديدا. لكن الجديد في عنف الانتخابات المصرية الاخيرة هو ان القتلى لم يسقطوا في القرى والنجوع البعيدة المسكونة بعادات الثأر والتنافس العشائري مثلما كان يجري في السنوات الماضية، بل سقطوا في بعض المدن هذه المرة امام كاميرات التلفزة التي وضعتنا ايضا في مشهد العنف بكل زواياه.
قنابل مسيلة للدموع والشرطة تفرق المحتشدين من الناخبين او غيرهم، جرحى واصابات لم تسلم منها النساء. كل التفاصيل اللازمة لكي تعطي العالم الرسالة الخطأ. فالمشهد يبدو وكأنه جرى في بلد اجرى الانتخابات على مضض، ومن المؤكد ان هذه ليست الرسالة التي ارادت الحكومة المصرية ايصالها للعالم.
في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كان العراقيون يتوجهون لصناديق الاقتراع لانتخاب ممثلين في المجلس الوطني تماما مثلما يفعل الناخبون في اي بلد ديمقراطي. وتوجهوا مرتين على الاقل لانتخاب الرئيس وحظي العالم باحدى الاعاجيب مع نسب التصويت التي فاقت حدود المعقول عندما اظهرت الارقام الرسمية ان الموتى ايضا صوتوا لصالح الرئيس.
تلك الانتخابات كانت تجري بهدوء تام ودون ان تسجل حتى حادث عنف يتيم، لكن الانتخابات العراقية منذ 2003 باتت دعوة للقتل بالنسبة لاشخاص مثل الزرقاوي او حتى لاولئك الذين يشيرون دوما الى عنصر الخلل الرئيسي في الوضع العراقي: الاحتلال الاميركي.
على هذا تبدو الديمقراطية في العراق باهظة الكلفة عندما تصبح مقابلا اخرا للموت. ورغم الفوارق الكبيرة في المقارنة مع مصر، فان العنف الذي صاحب الانتخابات التشريعية الاخيرة فهو لا يعطينا اي فرصة للاستنتاج سوى ان الديمقراطية باتت تنطوي على المعنى نفسه: ثمن باهظ.
لم تتخلف الانتخابات المصرية عن مواعيدها المقررة في السنوات الاخيرة، لكن عنف الانتخابات الاخيرة يجعلها اكثر اقلاقا. واذ يصبح العنف بمثل هذا الحضور القوي الذي لا يمكن الاشاحة عنه، فهو لا يقترح علينا تفسيرا حول هستيريا السلطة فحسب بل يقودنا الى عمق المأزق الذي يجد المصريون انفسهم فيه.
حسب جمال عيد فان الانتخابات التشريعية الاخيرة اظهرت مأزقا امام المصريين لانها «انتخابات يتصارع فيها بشكل رئيسي طرف موصوم بالفساد والاستبداد، مع منافس يحشد كل مصاحفه لخوض المعركة». (جمال عيد، مأزق علماني مصري بين حكومة فاسدة وحكومة دينية ـ موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان على الانترنت، نوفمبر 2005).
الهستيريا التي صعدت العنف الى هذا الحد وبمثل هذه الكثافة، لا تكشف خوف الحكومة فقط من فقدان تدريجي للسلطة والنفوذ امام خصم مثل الاخوان المسلمين، بل هي مؤشر اكثر اقلاقا من هذا. ان هذا الخصم (الاخوان المسلمين) يبدو هو الاخر اكثر اثارة للقلق لجزء غير قليل من المصريين مثلما يعبر عنه بوضوح عيد في مقاله، فهم لا يبعثون باي رسالة اطمئنان.
لم يتحالفوا مع اي من القوى السياسية او الاجتماعية وآثروا امتحان قوتهم كحزب. ولن يكون لهذه الملاحظة اي قيمة طالما لم نتذكر تحالفاتهم في العقود الاخيرة مع الاحزاب القائمة والمعترف بها مثل حزب العمل مثلا. حزب يقوى يوما بعد اخر، لكن الرسالة لا تصل الى السلطة فحسب لكي تدفعها لمحاولة الحد من تأثير الإخوان، بل تصل إلى عموم المصريين ايضا. ان وضع الاخوان المسلمين خاص جدا واستثنائي، لكن هناك خصوصية اخرى في وضعهم تبدو اكبر من ان يصمت عليها الاخوان او يلتفوا حولها: موقفهم من الديمقراطية نفسها.
لقطاع غير قليل من المصريين، لا يبدو الامر مطمئنا حتى الان. وتبدو صرخة عيد في مقاله ذاك نموذجية: « أعارض نظام مبارك (...) وأعاني منه، ولكني أخشى على حياتي من نظام المرشد العام».
مثل هذا القلق يجد صداه في أماكن أخرى وسيقودنا من جديد الى معضلة ليس لها جواب حتى اليوم: موقف الاسلاميين من الديمقراطية. وهذا بدوره سيقودنا الى معضلة اخرى: القراءة المثلى للاسلام. نحن لا نبحث عن وصفة سحرية، بل عن قراءة للاسلام تزيل كل هذا التشويش ما بين تكفير الديمقراطية مثلما يهتف صناع اسطورة الزرقاوي وبن لادن ومابين استخدامها وسيلة لدرء الشرور مثلما يردد الاسلاميون الذين يشاركون في الانتخابات في بلدانهم. فليس من المعقول ان يهتف نفس الجمهور مهللا لعنف الزرقاوي في انتخابات العراق ويهاجم عنف السلطة المصرية لانها وقفت واعاقت تقدم الاخوان المسلمين.
كاتب بحريني