للمرة الثالثة منذ الغزو الأمريكي يتوجه أبناء الشعب العراقي إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم، ولكن الأمر مختلف إلى حد كبير هذه المرة، ففي المرة الأولى لم يكن الشعب العراقي قد استفاق من هول صدمة الغزو، ولم يكن يدرك بعد معنى أن يشارك في انتخابات ديمقراطية حقيقية، بعد أن كان قد تعود على نتائج الـ99.99% المعدة مسبقاً في الفترات الماضية.
وفي المرة الثانية رفض قطاع كبير من أبناء الشعب العراقي، وهم العرب السنة، الاشتراك في الانتخابات، بعد أن دعتهم قياداتهم ومرجعياتهم إلى مقاطعتها لعدم شرعيتها وانتفاء الشروط الموضوعية لإقامتها. وكانت النتيجة أن العرب السنة كانوا بعيدين إلى حد كبير عن مراكز صنع القرار خلال الفترة الماضية، وربما كان جزء من السبب في ذلك يعود إلى مواقف قياداتهم. وفوق هذا وذاك، فإن الانتخابات السابقة كانت تتم لانتخاب ممثلين وحكومة يحمل أعضاؤها صفة "المؤقت" أو "الانتقالي"، ولذلك لم يكن الشارع العراقي يهتم كثيراً بمن ينتخب على أساس أنه لن يبقى في مركزه سوى أشهر معدودة. ثم إن الاحتلال الأمريكي كان يأمل سابقاً في تحقيق انتصار كاسح على الجماعات المسلحة العراقية قبل أن يتم إجراء الانتخابات الحالية، حتى يتسنى للإدارة الأمريكية ترتيبها وبرمجتها بشكل يخدم مصالحها بشكل أفضل ومن مركز القوة التي يتمتع بها المنتصر.
لكن الأمر مختلف هذه المرة. فالشعب العراقي أصبح أكثر خبرة في ممارسة اللعبة الديمقراطية بعد أن "تدرب" عليها في المرتين السابقتين. وانتبهت القيادات السنية إلى الخطأ الذي وقعت فيه في المرات الماضية بمقاطعتها الانتخابات والعزلة التي أوصل إليها ذلك القرار العرب السنة، فقررت هذه المرة، إما الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات، أو اتخاذ موقف الحياد الإيجابي على أبعد تقدير بعدم التدخل في العملية الانتخابية. بل إن بعض الجماعات المسلحة أعلنت عن أنها لن تهاجم المراكز الانتخابية رغم اعتقادها بعدم شرعية الانتخابات. كل هذا شجع أبناء الطائفة السنية في المشاركة الفاعلة هذه المرة، أملاً في الخروج من العزلة السياسية التي وجدوا أنفسهم فيها والوصول إلى مواقع صنع القرار لخدمة مناطقهم ومصالحهم.
والأهم في هذا كله أن الشعب العراقي يعرف أنه ينتخب، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، حكومة ستبقى على مدى أربع سنوات تدير البلد وترسم سياساته في مرحلة هي الأصعب والأدق منذ قيام العراق، خاصة بوجود مخاطر كبيرة تهدد وحدة البلد وأمنه واستقراره. هذا الأمر دفع بنسبة أكبر من أبناء العراق ليس إلى التصويت فحسب، بل إلى التفكير بعمق باللائحة التي سينتخبونها لأنهم يعرفون أن نتائج الانتخابات ستؤثر على حياتهم اليومية بأدق تفاصيلها.
أما الإدارة الأمريكية فإن لها مصلحة كبيرة هذه المرة في نجاح الانتخابات، ليس حباً في العراق الذي دمرته وقتلت عشرات الآلاف من أبنائه، ولا إيماناً بالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من المبادئ التي يستفيق العالم كل يوم ليكتشف انتهاكاً جديداً قامت به هذه الإدارة ضد ما تنادي به من شعارات، ولكن لأنها تريد أن تخرج من المستنقع العراقي الذي وجدت نفسها تغوص فيه، ولكنها لا تريد أن يبدو خروجها انهزاماً وتراجعاً، خاصة أنها تتعرض لضغوط داخلية وخارجية كبيرة، لذلك فإن نجاح العملية الانتخابية سيعطيها ذريعة ممتازة للانسحاب بحجة أنها حققت أهداف الحرب ونشرت الديمقراطية في ذلك البلد.
إن الانتخابات العراقية يمكن اعتبارها زهرة نبتت وسط أشواك الاحتلال التي أدمت أصابع وأقدام الشعب العراقي قبل أن يتمكنوا من قطفها. المهم الآن، وحتى لا يضيع العراق مرة أخرى، أن يستغل العراقيون هذه الفرصة لانتخاب لائحة بعيدة عن الطائفية والقومية والعرقية، وإلا فإنهم قد يجدون أنفسهم في مستقبل ليس بالبعيد وسط حرب أهلية شرسة وفي وطن مقسم يحكم كل جزء منه "صدام" جديد على طريقته الخاصة.