اندلعت يوم الاثنين الماضي أعمال عنف اتصفت بالطابع العنصري قام بها الآلاف من الشباب الأسترالي الأبيض ضد العرب في مدينة سيدني الأسترالية. فبعد اعتداء تعرض له إثنان من حراس الشواطئ الأستراليين البيض، تجمع الآلاف من الشباب الأسترالي، الكثير منهم كان في حالة سكر شديد، حيث اعتدوا على المصطافين من أصول عربية، معظمهم من اللبنانيين، ورفعوا الأعلام الأسترالية، وأنشدوا الأغاني العنصرية، ضد كل ما هو عربي ومسلم.

إضافة إلى ذلك، قام هؤلاء الشباب بمهاجمة السيارات والاعتداء بالضرب الجماعي على كل ما يشير إلى أية ملامح شرق أوسطية، حيث نزعوا بالقوة حجاب الكثير من النساء المسلمات، وتعدوا بالضرب أيضا على رجال البوليس. جاءت الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة مخيفة إلى حد كبير وهى تصور العشرات من المئات من الشباب الأسترالي وهم يضربون عربا عزل باللكم المباشر في الوجه وفي مناطق أخرى من الجسم، في مشهد لن ينساه هؤلاء مدى الحياة.

نتجت عن هذه الاعتداءات إصابة 31 شخصا منهم ستة من رجال الشرطة وإثنان من رجال الإسعاف، كما أكدت مصادر البوليس في سيدني عن طعن شخص في ظهره يحمل ملامح شرق أوسطية. اللافت للنظر هنا، أن رئيس الوزراء الاسترالي جون هاوارد قد أدان أعمال العنف مؤكدا عدم اعتقاده بوجود نزعة عنصرية في المجتمع الأسترالي!!

كيف تنشأ العنصرية والكراهية بمثل هذا الشكل المتسارع، انتشار النار في الهشيم؟ وكيف يخرج الآلاف لحظة واحدة يطالون كل ما يشتبهون فيه لمجرد مخالفته لهم في اللون والمعتقد والفكر؟ وكيف يحدث ذلك في بلد يتباهى بالمساواة وبالعدالة وبالتقدم؟

الواقع أن العنصرية لا تظهر هكذا بين عشية وضحاها، رغم ما يبدو من عفويتها وتلقائيتها. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ ما تعرض له الأستراليون في بالي، أندونيسيا، أصبح المسلمون بشكل عام، والعرب بشكل خاص، هم مادة الإعلام الغربي الذي يغذي الكراهية بشكل يومي. فمن خلال الإعلام يرى الأستراليون رئيس وزرائهم يتحدث ليل نهار عن الإرهاب، والاشتباه في شبكة إرهابية من المسلمين كانت تخطط لضرب مصالح حيوية في أستراليا، وأنه، أى رئيس الوزراء، سوف يحارب الإرهاب بكل ما أوتي من قوة حفاظا على مصالح الأستراليين ووحدتهم.

بالطبع تلقى أحاديث رئيس الوزراء الأسترالي صداها لدى العديد من المسؤولين الأستراليين الآخرين؛ فوزير المالية الأسترالي يتحدث بأن الطرد سوف يكون هو مصير كل من يخالف القوانين الأسترالية، موجها كلامه بالتحديد للجالية العربية المسلمة في أستراليا والتي يتجاوز عددها الربع مليون فرد بكثير.

ومنذ أحداث سبتمبر تعرض العديد من المسلمين للكثير من القوانين المقيدة للحريات من مراقبة مباشرة لأئمة المساجد وللنشطاء المسلمين، مع إمكانية القبض عليهم لمجرد الاشتباه فيهم بدون الاستناد لأية قوانين أو ضوابط دستورية، وهو الأمر الذي انتقدته العديد من الهيئات والمنظمات الخاصة بصيانة حقوق الإنسان في أستراليا وفي غيرها من دول العالم.

من خلال الإعلام، يرى الأستراليون ليل نهار هذه الصورة المقيتة والظالمة والعنصرية التي يصورها الإعلام للعرب والمسلمين. في الوقت نفسه، الذي يتعرض فيه الإعلام العربي في أستراليا لتضييق الخناق عليه، وبشكل خاص بعد قيام الولايات المتحدة بغزو واحتلال العراق، وموقف أستراليا المؤيد لهذا الغزو والاحتلال، بما في ذلك إرسال قوات أسترالية للعراق.

الذي يحدث أن هذا الموقف الإعلامي المناوئ لكل ما هو عربي ومسلم ينتقل بالتدريج إلى كل مؤسسات الحياة اليومية، ففي المدارس يتعرض المسلمون لأشكال مقصودة من أشكال التنميط العدواني، حيث يدفع أبناء العرب والمسلمين ثمنا هائلا لمثل هذه الانتهاكات التي تمارس ضدهم بشكل يومي. صحيح أن هذه الانتهاكات لا تأخذ في الأغلب الأعم شكل الاعتداءات الجسدية المباشرة، لكنها تأخذ أشكالا عديدة مثل كتابة شعارات عنصرية معادية على الحوائط، أو توجيه الشتائم العنصرية، أو توجيه استفسارات وتساؤلات يبدو منها الطابع الاستهجاني والتنميطي للآخر العربي المسلم، أو حتى التحفظ في التعامل مع أبناء العرب والمسلمين، وعزلهم ضمن التلاميذ الآخرين.

في أحيان غير قليلة يتحلى البعض من المدرسين بالعنصرية التي يمارسونها ضد العرب والمسلمين، ناهيك عن المقررات التي ترسم صورة عنصرية ومنافية للحقيقة عن العرب والمسلمين.

يكتسب هؤلاء التلاميذ هذه الأنماط العنصرية ليس فقط من الإعلام الأسترالي، ولكن تلعب الأسرة دورا كبيرا في تغذية مشاعر الكراهية بين الأبناء، خصوصا بعدما تعرض له الأستراليون في بالي، أندونيسيا. فمن جانب يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم بين إعلام عدواني يغذي مشاعر العنصرية والكراهية لكل ما هو عربي واسلامي ليل نهار، ومن جانب آخر تجد هذه العنصرية مصادر تغذيتها الأخرى فيما تقدمه المدرسة والأسرة من بيئات تحافظ على هذه العنصرية وتقدم لها مصادر اشتعالها وتأججها. بين الإعلام من جانب، وبين المدرسة والأسرة من جانب آخر ينشأ جيل جديد عدواني ليس له من هم سوى تنميط الآخر ومهاجمته والاستعلاء عليه.

بالتأكيد تجد هذه الممارسات التنميطية للآخر العربي المسلم تجلياتها في أشكال أخرى كثيرة منها المقررات التعليمية والبرامج البحثية في الجامعات ومراكز البحوث العلمية، إضافة إلى ما يحدث في المؤسسات الحكومية، وأقسام البوليس، والمحاكم، وبالطبع في ممارسات الحياة اليومية، حيث يمارس العرب والمسلمون حياتهم اليومية ضمن المجتمع الأسترالي، وباعتبارهم، وباعتبار أولادهم من الأجيال اللاحقة من حاملي الجنسية الأسترالية.

في هذا السياق، يصبح الحجاب مصدرا لوصم المرأة المسلمة بالإرهاب، ومخالفتها لأسس الدولة الأسترالية العلمانية، ويصبح لون البشرة والدين وبلاد المهاجرين الأصلية معايير خفية للتعيين والحصول على وظائف، ويصبح رجال الدين بجرة قلم أرهابيين، وتتحول أية أنشطة أو رموز للعرب والمسلمين إلى مسار للشك والريبة وربما استدعاء البوليس والمراقبة في أحيان غير قليلة.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى امكانية استباحة الآخر، فأية اعتداءات تحدث ضد العرب والمسلمين، لن يتم تصويرها على أنها اعتداءات عنصرية، قدر ما يتم تصويرها على أنها حوادث شغب عابرة لا تمت بصلة لقيم المجتمع الأسترالي العلماني. ورغم أن هذه الحوادث تتكاثر وتتراكم يوما بعد يوم إلا أنه، وفي ظل توجه حكومي رسمي معاد للعرب وللمسلمين، لا يتم الإلتفات إلى هذه الحوادث ومعاقبة مرتكبيها، حيث تمر مرور الكرام.

ولكى نبين حجم العنصرية المتوطنة ضد العرب والمسلمين في أستراليا يكفي أن نشير إلى انتشار برامج للعب على الإنترنت تحاكي الآخر العربي المسلم بوصفه المجرم الذي يتم قتله والتخلص منه. علينا أن نتصور حجم من يمارسون هذا القتل التخيلي للآخر العربي المسلم على شاشات الكومبيوتر في كل أنحاء المجتمع الأسترالي، وبشكل خاص بين الأجيال الجديدة من صغار السن ومن الشباب. وهو ما يؤشر على حجم العنصرية المتجذرة داخل المجتمع الأسترالي، على العكس من مقولات رئيس الوزراء جون هاوارد الذي مازال يؤكد على ما يتسم به المجتمع الأسترالي من عدالة ومساواة.

اللافت للنظر هنا، أن العنصرية الأسترالية ضد العرب والمسلمين لم تقف فقط عند الأستراليين من ذوي البشرة البيضاء، لكنها انتقلت أيضا إلى بعض الأقلام «العربية» المهاجرة في أستراليا، التي وجدتها فرصة من أجل مهاجمة العرب والمسلمين، واتهامهم بمخالفة قوانين الإقامة الأسترالية، بل إن البعض من هذه الأقلام قد اتهم الشباب العربي بجرائم لم يتحدث عنها الأستراليون أنفسهم. أليس غريبا أن تكتسب هذه الأقلام هذا القدر من العنصرية، وتتوحد مع الجلاد على حساب الضحية!!

كاتب مصري ـ جامعة الامارات