توجّه العراقيون أمس إلى صناديق الاقتراع. وهي تجربتهم الثالثة من هذا النوع، في أقل من سنة. لكن هذه المرة تختلف التجربة، فالبرلمان المنتخب. دائم، وليس ذا طابع انتقالي مؤقت. وأيضا كانت المشاركة واسعة النطاق شملت الجانب السنيّ، الذي اختار المقاطعة في الانتخابات السابقة. وبذلك ارتسمت أول معالم البناء المؤسسي للدولة. طبعاً العملية ليست خالية من الشوائب. من أكبر تشويهاتها أنها حصلت في ظل احتلال ووسط وضع أمني متدهور وخطير. لكنها حصلت.

والأهم أن المشاركة فيها عالية. وهذا بحد ذاته يمنحها أسباباً تخفيفية، تعزّز من مقبوليتها بل تعزّز من أهميتها كمدخل لإعادة تركيب البلد. وهي مسؤولية في أعناق العراقيين كافة. ومهما كان تصنيفها وتقويمها فان هذه الانتخابات تمثل فرصة جديدة ونوعية، نسبياً وبالقياس مع السوابق من الانتخابات ـ، للانتقال إلى درجة أرقى على طريق التأسيس لمنهج الحوار بين العراقيين. سيما إذا انعقد مؤتمر المصالحة المقرر ـ حسب ما تم التوافق عليه في مؤتمر القاهرة ـ في بغداد.

في وقت لاحق والذي قد يساهم في تكوين الأرضية المشتركة للنهوض. أو على الأقل في وقف التباعد والتنافر وبما يسد الطرق أمام الفتنة والوقيعة بين العراقيين. خاصة إذا حصل التعامل مع الاستحقاقات المهمة القريبة، بالصورة التي تؤدي إلى رفد ورشة التقارب بالمزيد من عوامل التماسك.

فالعراق على موعد قريب مع تشكيل حكومة جديدة. والأهم هو موعد مع إعادة النظر ـ كما هو متفق عليه ـ ببعض بنود الدستور بحيث تأتي صياغتها مطمئنة لبعض الأطراف وبما يؤدي إلى تزخيم المسيرة، من أجل توليد ديناميتها الذاتية، التي تكفل لها استكمال دورتها التراكمية، المطلوبة. ثم هناك استحقاق الانسحاب الجزئي، الذي تقرر تقريباً، للقوات الأميركية. الأمر الذي يبدأ بوضع العراق على المحك؛ لجهة قدرته الذاتية على الإمساك بالحالة الأمنية.

ومن البديهي، أنه بقدر ما يكون التوافق قد تحقق والمشاركة قد حصلت، بقدر ما يكون النهوض بالمهمات الوطنية والأمنية، أكثر انسياباً وفعالية. بل أكثر استجابة لنهوض هذا البلد النازف، المأزوم، وبداية خروجه من محنته، التي طال أوانها وعظمت ضريبتها. بل هي باتت تهدد مصيره في الصميم.

لا شك أن مسيرة مثل هذا الخروج طويلة وشاقة ومليئة بالمطبات. فالوضع العراقي معقد ومتداخلة فيه حسابات ومداخلات واعتبارات، فئوية وإقليمية ودولية. وهو رازح تحت احتلال لا يزال يمتلك القرار الفاصل في شؤون البلد لكن، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، وفي ضوء التجربة الموجعة؛ بات من الواضح أن توافق العراقيين هو مفتاح الفرج. والانتخابات ربما تكون قد أشرت إلى مكان وجود هذا المفتاح. وعليهم عدم إضاعة الفرصة.