لا يكاد يمر يوم واحد دون ان تتحدث الانباء عن حادثة اقتحام يقوم بها مسلحون اما لمراكز اقتراع او لمقر لجنة انتخابية، حيث يتم اخراج العاملين والموظفين والعبث بالحواسيب واتلاف السجلات وما الى ذلك من الاعتداءات الخارجة عن جوهر العملية الديمقراطية والذريعة المعلنة لهكذا تصرفات هي الاحتجاج، اما على العملية الانتخابية ذاتها، او رفض النتائج التي تسفر عنها هذه العملية، وفي الحالتين فان هذا التصرف غير مقبول على الاطلاق ويتنافى مع التوجه العام لدى الشعب الفلسطيني للتطوير والاصلاح السياسي وتداول السلطة عبر صندوق الاقتراع.
ولا احد ينكر الدور التاريخي لحركة «فتح » او حجمها في الشارع الفلسطيني، ومسؤوليتها في اعطاء القدوة والنموذج في مجال التطبيق الديمقراطي والممارسة الديمقراطية خصوصا وانها في نظر العالم كله هي الحزب الحاكم في فلسطين منذ قيام السلطة الفلسطينية، وبالتالي فان التجاوزات التي تكررت في الضفة والقطاع ، تتنافى مع الصورة التي يتوجب على هذه الحركة الرائدة نضاليا اعطاءها للمواطن الفلسطيني وابرز معالم هذه الصورة هي الامتثال لقواعد اللعبة الديمقراطية والقبول بالنتائج التي تتمخض عنها عمليات الاقتراع : لان الفائز وغير الفائز ينتمون الى الحركة نفسها ولا عبرة بفوز فلان او عدم فوز فلان فالحكم في نهاية المطاف هو للناخب الفلسطيني وهو الذي يقرر من يختاره لعضوية المجلس التشريعي وامامه الفرصة لانتخاب من يراه الاكفأ والاصلح لهذه المهمة.
ان المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن الفلسطيني، والتحديات الهائلة التي تواجه الفلسطينيين تتطلب من كافة الفصائل وعلى رأسها حركة «فتح» بطبيعة الحال الارتفاع الى مستوى الاحداث والتخلي عن الاهواء والمطامع الشخصية، والقيام بالواجبات الملقاة على عاتق كل مواطن مهما كان انتماؤه او طموحاته او حتى نضالاته، فليس من اللائق ان يطلب المناضل ثمنا للتضحيات التي قام بها او ان يسعى لمقايضة نضالاته وتضحياته بمنصب ما، حتى ولو كان مقعدا في المجلس التشريعي. والممارسة المثالية هي طرح اسمه للتصويت، والقبول بالحكم الذي تصدره الجماهير اما لصالحه او لصالح من تعتبره اكثر قدرة وحيوية على تأدية المهام التي يضطلع بها اعضاء «التشريعي» او غيره من الهيئات العامة.
وفي الاساس فان عضوية المجلس التشريعي، او مناصب الوزراء والمسؤوليات العامة كلها ليست وظائف مدى الحياة، الا اذا تأصلت الثقة بين الناخب والمرشح، انطلاقا من الاقتراع النزيه والحر، في اطار انتخابات شفافة ذات مصداقية.
والمقدمة الصحيحة للانتخابات العامة تكمن، دون ادنى شك، في التمهيديات اوالانتخابات داخل الاحزاب والفصائل لاختيار المرشحين لانتخابات التشريعي، فاذا جرت التمهيديات بطريقة هادئة وسلسة ومنظمة، بعيدا عن العنف والضغوط التي يمارسها المسلحون كان ذلك نقطة انطلاق صحيحة وموفقة نحو الخطوات التالية في العملية الديمقراطية ودليلا على ان هذه الاحزاب والفصائل ملتزمة بأصول وقواعد الممارسة الديمقراطية والا فان التجاوزات والاعتداءات والاقتحامات ستنعكس سلبا على انطباعات المواطنين وتقييمهم للمتجاوزين وثقتهم بالعملية الانتخابية ونتائجها على وجه العموم.