قدمت الإدارة الأميركية نموذجاً عملياً للديمقراطية التي تسعى لنشرها في العالم، وغرسها في منطقتنا المشار إليها في الأدبيات الاستعمارية بـ «الشرق الأوسط».
وجاء هذا النموذج مخيباً لآمال كثيرين من السذج والمغفلين والحمقى العرب، الذين امتلأت أفواههم بالماء الثقيل،وهم يتغنون بعظمة «الليبرالية» ويبشرون بغد مشرق، يمزق ظلمات ليالي التحرر الوطني والاستقلال والوحدة، ويروجون لبزوغ فجر الدويلات الانفصالية وعصر الأقليات والطائفية والتعايش مع رجس العنصرية والصهيونية.
النموذج الأميركي للديمقراطية المقبلة جاءنا محلقاً في سماوات العالم ومخترقاً كل الفضاءات الأوروبية، داخل طائرات المخابرات «السي آي ايه» أو سجونها الطائرة كما عرفت في الإعلام الغربي.
تلك الطائرات التي قامت بأكثر من400 رحلة سرية في أجواء أوروبا، وهى محملة بسجناء أو أسرى تم اختطافهم، تحت ذريعة الاشتباه، ودون الخضوع لأبسط قواعد القانون الدولي، وبالمخالفة لكل مواثيق صون وحماية حقوق الإنسان.
انكشف ستر «السجون الطائرة» واحدث هزات سياسية في أوروبا، ووضع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في موقف الدفاع، والتبرير وهي التي اعتادت إلقاء الأوامر، وتوزيع الاتهامات شرقا وغربا، وتحديد أدوار الحلفاء، والتابعين، ولم يكن أمامها في جولتها الأوروبية الأخيرة سوى تقديم الاعتذارات.
والتنصل من أخطاء رجال الاستخبارات، الذين انتهكوا سيادة كل من ايطاليا، وألمانيا، ومارسوا عمليات خطف مواطنين من أصول عربية وترحيلهم إلى بلدانهم لتعذيبهم، تحت إشراف ضباط وخبراء أميركيين، دون خشية التعرض للتحقيق البرلماني أو التشهير الإعلامي وقبل كل شيء لضمان القيام بتعذيب هؤلاء على أتم وجه، في سجون وأقبية سرية خصصت لعمليات «السي آي ايه» الخاصة.
حصيلة «السجون الطائرة» تمثلت في ملاحقة ايطاليا لـ 12 من ضباط الاستخبارات الأميركية، تورطوا في خطف وترحيل عدد من المشتبه بهم إلى حيث يعذبون في دول شرق أوسطية، موعودة بحلم الحرية الأميركي، وفى ألمانيا، أربكت الفضيحة حكومة المستشارة الجديدة ميركل، لتورط وزير خارجيتها في التغطية على خطف عملاء «السي آي ايه» لمواطن ألماني من أصل مصري،.
وإرساله إلى أفغانستان لتعذيبه، أو تلقينه دروساً في الحرية التي يبشر بها المحافظون الجدد، وفى انجلترا اقرب حليف أوروبي لأميركا،اهتزت الأرض تحت أقدام حكومة توني بلير، بعد ان سمحت بانتهاك «السجون الطائرة» لأجواء بريطانيا، نحو400 مرة.
في أوروبا، تركز الاهتمام على ضرورة إيجاد آليات قانونية تتيح ملاحقة المتورطين في فضيحة خطف ونقل الضحايا لتعذيبهم، وضمان عدم تكرار ذلك الانتهاك الصارخ للقانون الدولي، وانشغل البعض في البحث عن معنى مصطلح «التسليم القسري» الذي افرخته الفضيحة، وليس له مرادف في القواميس السياسية، ويشير إلى ترحيل المخطوفين رغم انف القانون وبالمخالفة لكل الأعراف.
وتساءل البعض عن الفارق الأخلاقي بين السلوك الأميركي و سلوك صدام حسين الذي تزامنت محاكمته في قضية تعذيب «الدجيل» مع تفجر فضيحة «السجون الطائرة»، واستخلصوا انه لا فرق، رغم ان الجرم الأميركي أثقل في وقعه وجسامته.،لدرجة ان الفائز بجائزة نوبل في الآداب هارولد بنتر طالب بمحاكمة بوش عن جرائم حرب العراق.
في دولنا العربية،لم تحرك الفضيحة ساكنا، ولم يتردد صداها في أروقة المجالس النيابية على كثرتها، ولم تثر لدى منظمات حقوق الإنسان أي رد فعل، ولم تهتم أي من حكوماتنا الوطنية بدفع التهم المحلقة في الأجواء، ربما لان الأمر اقل من ان يهدر لأجله وقتها الثمين.
وقبل كل شيء، فهذه الفضيحة جاءت هدية السماء لها، وجعلتها تضحك في أكمامها، من سذاجة هؤلاء الذين يراهنون على مبادرة الرئيس جورج بوش لنشر الديمقراطية.
وهم غير مدركين ان «السجون الطائرة» هي الحقيقة، اما وعود الحرية فهي السراب الذي تزيغ له أبصار الواهمين، أو المضللين، فالرابطة التي تربط مثل تلك الحكومات بالإدارة الأميركية، هي الأصل والقاعدة الراسخة التي تقوم عليها كل أشكال التعاون والمصالح المتبادلة، ولا عزاء لأصحاب الشعارات الليبرالية، من الطغاة الجدد.