هل وقعت الإدارة الأميركية في فخ جدلية تأويل بعض المصطلحات التي يصر زعماء العالم الثالث على إثارتها والإشارة إليها في كل خطاباتهم وأحاديثهم للجماهير؟

البعض يجيب عن هكذا سؤال بنعم مشددة وهو يشاهد صورة الرئيس الأميركي «بوش» التي تصدرت صفحات كل الصحف العالمية وهو يلقي خطابه في كلية البحرية الأميركية من خلف لوحة كبيرة تتحدث عن استراتيجية النصر.

حيث شدد الرئيس الأميركي على أهمية المعركة الشاملة ضد الإرهاب وذلك في معرض دفاعه عن الحرب في العراق والتي يتراجع تأييدها باطراد بين الرأي العام الأميركي.

وقد أصر الرئيس «بوش» على التذكير بأنه لن يرضى بأقل من «نصر تام» مضيفا أن «النصر» سيتحقق عندما لا يعود في وسع الإرهابيين والصداميين تهديد الديمقراطية في العراق، وأن أميركا لن تهرب من أمام مفجري السيارات المفخخة والقتلة، طالما بقي هو ـ أي بوش ـ القائد الأعلى للقوات المسلحة .

ولكن عن أي «نصر» يتحدث الرئيس الأميركي؟ هل هو «نصر» الجيوش في دخول العراق؟ أم هو «نصر» المخابرات العسكرية في الكشف عن مخبأ صدام حسين؟ هل هو «نصر» الفوضى والعنف الذي ساد العراق في العامين الماضيين؟

أم هو «نصر» التردد الأميركي في حسم تحالفه مع جبهة سياسية واضحة ومحددة في العراق؟ هل هو «نصر» الديمقراطية العرجاء التي تتصور الولايات المتحدة أنها أرستها في أرض العراق؟

أم هو «نصر» بؤرة الإرهاب والعنف التي اتخذت من العراق مقرا بسبب الفوضى والانفلات الأمني؟ بحسب معايير النصر والهزيمة فإن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة كل البعد عن «النصر» في العراق، فالأوضاع داخل العراق تسير من سيئ الى أسوأ، وأصبح أخشى ما يخشاه الناس أن يترحم الجميع على حقبة «صدام» السوداء مقارنة بمعاناتهم اليومية الآن؟!!

وثيقة النصر في العراق، التي تم الإفصاح عنها، تراجعت في تقديرها لمدة بقاء القوات الأميركية في العراق، حيث جاء فيها أن الانتصار في العراق سيستغرق زمنا، وأنه أي «النصر» لن يتم وفق أجندة أو جدول زمني محدد، وأن «النصر» يتحقق بالعزيمة لا بتاريخ محدد .

وهي ـ أي الوثيقة ـ تذكرنا بوعود وتصريحات زعماء العالم الثالث التي تتأرجح مصداقيتها وتأويلها بين الحقيقة والحلم، أو بين الواقع والطموح، فلقد اعتدنا نحن على تفسير وقياس وترجمة وتحليل كل ما تصرح به بعض الانظمة العربية، لأن في تصريحاتها ما يناقض دائما الواقع المعاصر.

أو ما يكون بعيدا كل البعد عن الحقيقة، «فنضال» البعض على سبيل المثال يتناقض مع نهجه، وحديث الرئيس الفلسطيني الراحل عن «النصر» والإصرار على عروبة القدس، كان حديثا خارجا عن المعقول والمتوقع، وتشدق بعض الزعامات العربية بالنهج الديمقراطي وبالحريات، هو خوض في واقع غير محسوس ولا ملموس.

الإدارة الأميركية تقع الآن في الفخ نفسه، حيث تتحدث وتعد «باستراتيجية نصر» هي من صنع الخيال، فكل المؤشرات في العراق تقول إن أميركا قد أخفقت في تحقيق «نصر» فعلي، وأن نهجها لا تقوده «استراتيجية نصر» وإنما يحركه تخبط لا يحكمه سوى رد فعل آني للأحداث المتتابعة.

وأن ضحايا «استراتيجية النصر» هذه ومن كل الأطراف أضحت هي الحقيقة الوحيدة، وهي الواقع الملموس فعليا، وهو أمر يجعل من حديث الرئيس الأميركي عن النصر، حديثا بحاجة الى مذكرة تفسيرية لفهم مغزاه وحقيقته.