كيف ومتى يقتنع العالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة أن إسرائيل بسياساتها العدوانية تجاه محيطها الإقليمي هي السبب الأساسي والجوهري لحالة اللاأمن واللااستقرار في منطقة الشرق الأوسط بل والعالم بأسره لأنها مرتبطة بشكل مباشر .

وغير مباشر بالتطورات التي تحدث في هذه المنطقة. فإسرائيل التي احتلت الأراضي العربية وبنت المستوطنات واقتلعت الشعوب وبنت السلاح النووي واتبعت سياسة البلطجة سياسياً وأمنياً وعسكرياً.

وهددت الدول المجاورة وغير المجاورة، هي الآن تحاول تنفيذ سيناريو قديم حديث لضرب القوة العسكرية الإيرانية التقليدية منها وغير التقليدية تحت نفس الذرائع والأكاذيب التي لجأت إليها طوال العقود الخمسة الماضية.

في هذا السياق ليس غريباً أن تلجأ إسرائيل ورئيس وزرائها آرييل شارون بإصدار أوامر لقواته الخاصة بالاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية على غرار ضرب المفاعل العراقي في العام 1981.

وقد ذكرت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية أن شارون أمر بالتحضير لهجوم عسكري في أعقاب تحذير من الاستخبارات الإسرائيلية من أن إيران بدأت بالفعل عمليات تخصيب اليورانيوم في منشآت سرية وسط مواقع مدنية.

وأضاف تقرير الصحيفة أن عمليات عابرة للحدود وكذلك إشارات استخباراتية واردة من قاعدة أقامها الإسرائيليون في شمال العراق كشفت عن وجود عدد من منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية لا تعلم عنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية شيئاً.

في الوقت نفسه، دعا نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس أوروبا والولايات المتحدة إلى الإتحاد ضد ما وصفه بـ «الخطر الإرهابي المتنامي في إيران». وشدد على ضرورة منع إيران من الحصول على السلاح النووي.

هذا النداء جاء متزامناً مع ما ذكرته صحيفة واشنطن تايمز من أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قررت امتلاك قدرات شن حربين في الوقت نفسه.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين كبيرين في البنتاغون قولهما أنه عندما تكتمل المراجعة الدفاعية الرباعية (تستمر أربع سنوات) الشهر المقبل، فإنها ستتضمن متطلبات هذا الوضع.

وبحسب هذه الخطة ستحتفظ وزارة الدفاع بقوات فاعلة واحتياطي قادر على طرد واحتلال أراضي دولة عدوة في حرب واحدة، وهزيمة عدو أخر في الوقت نفسه، ولكن ليس بالضرورة احتلال عاصمته.

وفي هذا الخصوص حذر محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية من مغبة شن ضربة عسكرية ضد إيران إذا رفضت التخلي عن طموحاتها النووية، مؤكداً أن الحل العسكري سيكون له رد فعل عكسي وأن المسلك الدبلوماسي والتعاون يثمران في العادة عن نتائج أفضل من استخدام العصا.

ولكن من جهة أخرى هددت الوكالة برفع الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لانتهاك إيران ضوابط معاهدة الحد من الانتشار النووي، وشدد البرادعي على أن صبر المجتمع الدولي أخذ في النفاد بالنسبة لملف إيران، مؤكداً أن المسلك الدبلوماسي لن يكون متاحاً إلى الأبد.

في ظل هذا التوتر خرج الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بتصريح لمحطة تلفزيون عربية بشأن إسرائيل أثارت موجة إدانة دولية واسعة وكأن إسرائيل أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاندثار بسبب التصريح الإيراني.

الرئيس الإيراني اقترح ببساطة على العالم الغربي الذي يخاف على إسرائيل وأمن إسرائيل ومستقبل إسرائيل «نقل» إسرائيل إلى أوروبا لأنه يعتبر أن إسرائيل ورماً خبيثاً ينبغي نقله إلى أوروبا، مطالباً بلداناً كالنمسا وألمانيا باستضافة الدولة اليهودية على أراضيها لأنها أكثر من غيرها تشعر بمسؤولية عن مذابح اليهود.

وما أن انتهى الرئيس الإيراني من ابداء رأيه تجاه الدولة التي تتمتع بحصانة غربية استثنائية حتى أدان البيت الأبيض التصريح مبرراً القلق الأميركي من برنامج إيران النووي، وانهارت الانتقادات من باريس إلى ألمانيا وإسرائيل وبريطانيا وروسيا وغيرها من الدول إضافة إلى الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام.

ولكن التصريح الإيراني مثله مثل التصريحات التي صدرت قبل ذلك من قبل الأطراف العربية المختلفة في العقود المنصرمة وتحديداً في الأربعينات والخمسينات والستينات وبداية السبعينات التي لم تستند إلى مصداقية حقيقية تقود فعلاً إلى إزالة إسرائيل وتحرير فلسطين التاريخية.

على العكس فقد تمكنت إسرائيل من النمو والتوسع والبقاء حتى أضحت أمراً واقعاً يتعامل معها الأطراف العربية والإسلامية على أنها بلد صديق وشقيق وكأفضل قناة وصول إلى الرضا والدعم الأميركي.

فليس بالضرورة أن يكون التصريح الإيراني قد عنى فعلاً ما قيل حول الدولة العبرية وبالتالي فهو حتماً موجه للداخل الإيراني والعالم العربي لأن مثل هذا الخطاب لا يزال يلقى ترحيباً كبيراً على المستوى الشعبي بغض النظر عن واقعيته في هذه المرحلة على الأقل.

ولكن من جهة أخرى فقد يكون هذا التصريح الذي يندرج ضمن الخطاب السياسي الإيراني العام تجاه إسرائيل يهدف إلى إبعاد إيران في هذه المرحلة عن أية تسويات سياسية في المنطقة من شأنها أن تزعزع الأمن والاستقرار في بلد إسلامي لا يزال يشعر أنه بحاجة لتقوية صفوفه الداخلية عن طريق الخطاب الإيديولوجي والمبدئي مستعملاً قضايا عديدة كقضية فلسطين في هذا الاتجاه.

وهذا كله قد يبدو واقعياً إذا وضع التصريح الإيراني في سياق السياسة الخارجية الإيرانية التي ترفض حتى هذا الوقت إقامة حوار جاد مع الولايات المتحدة.

وهذا ما أعلنت عنه طهران قبل أيام على لسان حميد رضا آصفي الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية الذي أكد أن إجراء مباحثات مع المسؤولين الأميركيين ليس مدرجاً على جدول أعمال طهران، بالرغم من أن الإدارة الأميركية فوضت سفيرها في بغداد زالماي خليل زاد لفتح حوار مع إيران بخصوص العراق.

لقد أصبحت التصاريح والخطابات الإعلامية وإن خلت من مصداقية حقيقية مرفوضة تماماً إذا ما تعلق الأمر بالدولة العبرية التي تتمتع بشكل غير مسبوق بحصانة مطلقة من قبل الأطراف الدولية في الوقت الذي يخرج مسؤول أوروبي أو إسرائيلي أو أميركي ويقول ما يقول عن العرب والمسلمين.

نعم إنه زمن الصمت المحكم الذي فرض على منطقة الشرق الأوسط ومسؤوليها وشعوبها وحتى قنواتها الإعلامية ومن لا يتذكر فضيحة التآمر لضرب قناة الجزيرة الحرة في قطر. إن الحرب في العراق والحرب على «الإرهاب» والحرب ضد الشعب الفلسطيني والتهديد ضد سوريا وإيران تتطلب جميعها أن يسود الصمت في منطقة تعاد رسم خريطتها ومسيرتها ومستقبلها.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي