بعد توقعات بانحسار الموضوع السياسي عن الخطاب الانتخابي الإسرائيلي لصالح مواضيع داخلية كالاقتصاد والفقر والبطالة أعاد زعيم حزب العمل عمير بيرتس مسألة التسوية الدائمة مع الفلسطينيين إلى السطح. فالزعيم العمالي شعر وكأن منافسه ارييل شارون الذي يعد بحل دائم على أساس خارطة الطريق في حالة حصول حزبه «كديما» .

أي «إلى الأمام» على الأغلبية يحاول سحب المزيد من اليساريين إلى حزبه وتحويل حزب العمل إلى مجرد هيكل عظمي مثلما هو حال حزب الليكود حاليا بعد ان هجره الكثيرون إلى «كديما» .

ولهذا نقل بيرتس إلى سفراء 25 دولة أوروبية في نهاية الأسبوع الماضي موقفه من التسوية حيث ابلغهم انه يعارض خارطة الطريق وانه يعتزم الدخول في مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين للتوصل إلى تسوية دائمة في غضون أربع سنوات.

ولم يعرض بيرتس مشروعه مجردا بل مفصلا بجدول زمني محدد لكنه أكد ان أية تسوية لن تشمل تقسيم القدس وحق العودة للاجئين. وهو هنا يشارك منافسه شارون في هاتين النقطتين لكن بيرتس بقوله ذلك لم يستبعد ان تكون القدس العربية تحت سيادة عربية دون تقسيم. فيما ان شارون يرتكز أساسا على خارطة الطريق التي نبذها حتى الآن ووضع نقيضا لها .

وهو خطة الانفصال ومع أن شارون نفى أية نية لديه لتنفيذ المرحلة الثانية من خطته أي الانفصال في الضفة إلا أنه أكد أن أية تسوية يجب أن تستبعد القدس وحق العودة وغور الاردن وهو عمليا لا يطبق خارطة الطريق بل خطته.

في حين أن بيرتس في مشروعه يلتقي مع الرئيس الفلسطيني ابو مازن في الشروع فورا في مفاوضات التسوية الدائمة بالقفز عن المراحل الاولى من خارطة الطريق. وكان ابو مازن دعا أكثر من مرة إلى ضرورة الشروع في مفاوضات الحل الدائم بدلا من إضاعة الوقت في تطبيق بنود خارطة الطريق. فالزعيم العمالي القادم من حركة السلام .

ونقابة العمال يعتقد ان خارطة الطريق يمكن تفسيرها بأكثر من معنى حيث يفسرها اليسار بطريقة واليمين بطريقة وهذا يعني جمودا قد يستمر عشرات السنين. وهو يرى ان خارطة الطريق ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مؤقتة ستبقى في حالة عداء مع إسرائيل بينما التسوية الدائمة تشمل اقامة دولة دائمة في حالة سلام مع إسرائيل.

بمشروعه هذا يكون بيرتس قد قطع شوطا أكثر من سابقيه واضعا نصب عينيه إقامة دولة وإحلال السلام. وهو هنا يريد طرح مشروعه المتكامل للرأي العام الإسرائيلي في سباقه مع شارون لحشد التأييد للانتخابات المقبلة.

إذ إن شارون نجح حتى الآن في ان يكون الرقم واحد حسب استطلاعات الرأي وما زال يسحب يساريين ويمينيين إلى حزبه الوسطي لكنه يفتقد إلى مشروع سياسي متكامل إذ إن خارطة الطريق التي عارضها دوما ونفذ انسحابه من غزة رغما عنها بل لإجهاضها تبقى مفتوحة للاجتهادات كافة. وهي تناسب نظرته لتسوية الصراع أي حل مؤقت طويل الأمد فيما تنص خارطة الطريق على إقامة دولة فلسطينية مؤقتة كمرحلة أولى.

حرق المراحل والدخول في مفاوضات مباشرة هو الورقة الرابحة لبيرتس التي ستحدد الفارق بينه وبين شارون في المعركة الانتخابية ويبدو ان موقف بيرتس هذا ينسجم مع مزاج الرأي العام الإسرائيلي حيث ظهر في استطلاع للرأي أجري هذا الأسبوع ان نسبة 62% من الإسرائيليين تفضل المفاوضات المباشرة للوصول إلى تسوية.

وعدم تنفيذ فك ارتباط جديد كما حدث في غزة وحسب الاستطلاع الذي أجراه مركز «ماركت ووتش» لحساب أصحاب مبادرة جنيف فإن 15% من الإسرائيليين يؤيدون تنفيذ فك ارتباط آخر من جانب واحد فيما يعارض 18% الأمرين. وأظهر الاستطلاع ان 46% من الإسرائيليين يعتقدون بإمكانية التوصل إلى تسوية دائمة.

إذا، لم يعد خطاب شارون السياسي هو سيد الموقف في الساحة الإسرائيلية ويبدو ان منافسه بيرتس أكثر وضوحاً في برنامجه وأكثر جدية خاصة وان غالبية الإسرائيليين والفلسطينيين تقول «نريد حلا».

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين