يبدو أن العالم كله في كفة وإسرائيل لوحدها في كفة أخرى، ومن الواضح أن هناك مكيالاً يكيل به البشر شؤونهم، ومكيالاً آخر خاصاً بإسرائيل!! ومن الثابت أن هذا الدلال لم يكن ليكون لولا ما تحظاه إسرائيل من مقام رفيع لدى الساسة الأميركان، الذين يتسابقون ـ من كلا الحزبين ـ لخطب ودها.

وتبذل الولايات المتحدة الأميركية الغالي والرخيص من أجل «عيونها». فقد اجتمع مندوبو 192 دولة موقعة على معاهدة جنيف في الأسبوع الماضي لمناقشة .

إضافة شارة جديدة إلى شارة منظمة الصليب الأحمر الدولية المعروفة كي ترضى عنها إسرائيل التي دأبت منذ العام 1949 على رفض شارة «الصليب الأحمر» وجن جنونها حينما أضيفت لها شارة «الهلال الأحمر» في العام 1983 وتغير اسم المنظمة تبعاً لذلك إلى الاتحاد الدولي لمنظمات الهلال والصليب الأحمر.

لم تعترف إسرائيل بشارة منظمة الصليب الأحمر وبالتالي رفضت تلك المنظمة أن تكون إسرائيل عضوا فيها. وكانت إسرائيل تصر دائماً على إضافة شارة «نجمة داوود» إلى شارتي المنظمة.

ودخلت مسألة قبول إسرائيل في المنظمة الدولية لعبة السياسة الداخلية في أميركا، وتلقفتها إدارة كلينتون وجمدت الإشتراك المالي السنوي الذي يدفعه فرع الصليب الأحمر الأميركي للمنظمة الأم والبالغ خمسة ملايين دولار منذ العام 2000 إلى الآن مشترطة قبول إسرائيل لعودة تلك المبالغ.

وأغلب الظن أن رجل الأعمال السويسري جين هنري دونانت، ذا النزعة الإنسانية لم يفكر كثيراً بشارة المنظمة التي وضع لبناتها الأولي في العام 1863، إذ هاله ما رآه في ساحة معركة سولفارينو في العام 1859 .

حيث كانت القوات الفرنسية وقوات من سردينيا تحاولات طرد القوات النمساوية من إيطاليا. لذلك جاء اختياره لعلم بلاده ـ سويسرا الوادعة والمسالمة ـ ليكون شارة لمنظمته التي دعا إلى تأسيسها منذئذ.

وسرعان ما وجدت الفكرة قبولاً حسناً عند القوى العظمى آنئذ، فانعقد مؤتمر دولي في جنيف بعد عام من ذلك - أي في العام 1864 ـ وتم توقيع معاهدة حول معالجة حالات الجرحى والمرضى من العسكريين في الصراعات المسلحة.

وقبل أن تنتشر منظمة الصليب الأحمر وتصبح لها فروع في الدول المختلفة، اتخذت البلاد الإسلامية الهلال الأحمر كرمز لفرق الإنقاذ والإسعاف التي كانت ترافق جيوشها، كما الحال مع الدولة العثمانية أثناء حربها مع روسيا في العام 1876. وهذا ما دفع الصليب الأحمر في العام 1929 إلى التعامل مع جمعيات الهلال الأحمر في الدول الإسلامية دون أن تنتقص هذه الجمعيات من دور منظمة الصليب الأحمر الريادي.

ونال دونانت شخصياً أول جائزة نوبل في العام 1901 لجهوده في خدمة الإنسانية. ولعبت منظمته دوراً إنسانياً مشهوداً لها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم بعد ذلك في كل الحروب والكوارث التي شهدها المجتمع الإنساني، فنالت كمنظمة عن جدارة واستحقاق ثلاث جوائز نوبل في الأعوام 1917 وأثناء الحرب العالمية الثانية (1944 ).

وبمناسبة احتفالها بمرور مئة سنة على قيامها في العام 1963. وأرادت منظمة الصليب الأحمر في العام 1965 أن تعلن على الملأ أهدافها التي جسدتها دوماً منذ انطلاقتها الأولى فجاء خير معبر عن تلك الأعمال النبيلة وتمثلت في: الإنسانية، الحيادية، التجرد، الاستقلالية، الخدمة الطوعية، الوحدة، وأخيراً العالمية.

وأشهد أن تلك المبادئ متجسدة في هذه المنظمة قولاً وعملاً من واقع تجربة شخصية مريرة مر بها كاتب هذه السطور حينما كان أسيراً في الرمادي بالعراق في العام 1991 لا داعي للخوض في تفاصيلها حفاظاً على وقت القارئ. ولعل مكمن قوة الصليب الأحمر أنها منظمة من منظمات المجتمع المدني، بل أقول إنها أنبل وأسمى ما يمكن أن ينتجه المجتمع المدني.

وهي على هذا منظمة طوعية، فصحيح أن جملة موظفيها ـ كما تظهر في تلك المعلومات التي تقدمها الـ بي بي سي 29/12/2004 ـ يتكونون من 1200 متخصص و9000 موظف في الميدان (يبدو في كل الدول) فضلاً عن 800 موظف في المقر الرئيسي، أقول، صحيح إن هذه المنظمة لديها هذا العدد من الموظفين، بيد أن لديها أيضاً الآلاف المؤلفة من المتطوعين الذين يهبون للعمل المجاني إذا ما دعا داعٍ.

ففرع الولايات المتحدة، على سبيل المثال، جند 219500 عامل إغاثة جاءوا من خمسين ولاية إثر إعصار كاترينا، كان السواد الأعظم من هؤلاء من المتطوعين. وقام فضلاً عن ذلك بتقديم أكثر من 27 مليون وجبة طعام ساخنة إضافة إلى تقديم قروض تصل إلى أكثر من 1500 دولار للعائلات المعسرة( نيويورك تايمز4/12).

وأيادي منظمة الصليب الأحمر بيضاء، فمصادر تمويلها تأتي غالباً من الأفراد المحسنين وفاعلي الخير، وهي إن أتت من حكومات فهي من دون شروط، لأن هذه المنظمة لا تتدخل بالشؤون السياسية، بل تقتصر مهامها على الأعمال الإنسانية البحتة، وبالتالي فهي مرحب بها من الجميع. وقد بلغت ميزانيتها في العام الفائت حوالي 670 مليون دولار.

على العموم، حصلت إسرائيل على ما تريد أن تحصل عليه، وخرج المؤتمرون في مؤتمر جنيف ليصوتوا بأغلبيتهم على شارة جديدة على شكل بلورة حمراء ماسية الشكل على خلفية بيضاء تضاف إلى الهلال والصليب الأحمر الدوليين. وهذه ليست المرة الأولى التي تحصل فيها إسرائيل على ما تريد أن تحصل عليه ، وأغلب الظن أنها ليست الأخيرة!!

alyusefi@hotmail.com

كاتب كويتي