يبدو أن الانتخابات والعنف صارا صنوين، في منطقتنا. وكأن الأول بات يستحضر الثاني، بداهة. أو أن الثاني أضحى جزءاً أساسياً من الأول. يرافقه في ساحاته ويتنقل معه. بالأمس القريب في مصر.

ومؤخراً في العراق؛ فيما بدأت عوارضه الأولية تظهر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. في كل استحقاق انتخابي له حصة وهي تكبر أو تقل، حسب درجة التهاب الوضع، الذي تجري فيه. وبذلك تحول العنف إلى نمط يحل مكان النمط السابق المعلّب.

في الماضي كانت الانتخابات والاستفتاءات مربوطة بالرقم 9,99%، وبعدم وجود المنافسة. اليوم تراجعت أرقام الإجماع المطلق وانفتحت أبواب المنافسة. لكن كان لذلك ثمنه الباهظ: إخضاع التنافس لقانون التصفية أو الشطب، قبل يوم الاقتراع. في العراق، يسقط رئيس لائحة مع ثلاثة من مرافقيه.

في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعرضت مكاتب لجنة الانتخابات المركزية لهجوم مسلحين، دارت مواجهات مسلحة بينهم وبين رجال الشرطة الفلسطينية، وذلك احتجاجاً، كما قيل، على تشكيل اللوائح الانتخابية. والمعروف أن ذلك يأتي على خلفية وضع سياسي فلسطيني متوتر، بحيث ازداد التخوف من تصاعد وتيرة الاحتكاكات؛ الأمر الذي قد يهدد العملية الانتخابية.

أو ربما يفرض تأجيلها صحيح أن أجواء الانفلات الأمني هي المسؤول المباشر عن تمدد ظاهرة العنف الانتخابي وممارسته، من غير كلفة ولا ثمن. خاصة في ساحات تضج بالسلاح واستعماله، مثل العراق والأراضي الفلسطينية.

لكن جذور هذه الظاهرة، أبعد من ذلك وأعمق. ذلك انها مرتبطة بمفهوم الانتخابات بحسبانها عملية محاصصة، أو توزيع حصص، وليست ممارسة لحق الاختيار المتحرر من أية اعتبارات وضغوط وإكراه.

يفاقم من ذلك أن النظرة إلى الانتخابات تنطلق من الاعتقاد بأنها منافسة بين الأشخاص وليس بين البرامج والطروحات والرؤى.

يضاف إلى ذلك ويزيد من درجة تأزيمه ان الانتخابات بضاعة طارئة على وضع يمر في مرحلة انتقالية، لا يزال خلالها يعمل بعدة قديمة وآليات مشوهة، تلتبس معها مفاهيم وممارسات كثيرة مثل التمثيل والاقتراع وبناء المؤسسات؛ ناهيك بوظيفة المؤسسات المنتخبة ودورها في التطوير وإرساء أسس المجتمع المدني الناشط والمستقر.

لكن جوانب النقص هذه؛ قد تفسر العنف لكنها لا تبرره. بل لا ينبغي أن تبرره أو تكون بمثابة التسويغ له. فالمنطقة غارقة في العنف. يكفيها ما ابتليت به من حروب واحتلالات وتدهور أمني أدى إلى نزف متواصل ومقابر جماعية، بدأ يجري نبشها، في أكثر من ساحة؛ وبما ينكأ الجروح ويزيد من تشويه الصورة وسوداوية المشهد.

وحري بهذا الوضع أن يغتنم فرصة الانتخابات ليحولها إلى جسور عبور إلى الضفة الأخرى؛ بدلاً من استخدامها مطية للامعان في ترسيخ ثقافة العنف الذي طال استنزافه لمنطقتنا.