إذا كانت قصة الفقر تزامن ظهورها مع تاريخ الإنسان، فإن أسبابه تراوحت بين شح الثروات من ناحية وعصابات الإفقار من ناحية أخرى.
وتبدو مشكلة الفقر شاخصة ببعدها المؤامراتي في مجتمع ما في ظل توافر الثروات والقابضين على مفاتيحها، حتى يبدو أن إلقاء الفتات للسواد الأعظم من طبائع الأمور المحروسة بقوى تسلطية تجد من يساندها في الداخل والخارج.
ومع ذلك لا يعدم التاريخ رجالاً وهبوا أنفسهم لتحقيق أبجديات العدالة في بلادهم، رجالاً تنكبوا مناصرة المحتاجين بضمير حقيقي ونقي.
لقد زاد شعار «التكديس فوق الجميع» من وطأة الأحذية الغليظة على رقاب المحرومين من نصرة الحياة ونصرة البشر، لكنهم لم يتوقفوا عن حلمهم بالعثور على من يثأر لفقرهم.
وإنسانيتهم المطحونة بدواليب أصحاب الكروش والضمائر الموتورة .. لذلك يبدي الزمن أحيانا كرماً مباغتاً حين يلهم رجالاً، من لحم ودم، للقيام بدور المخلص الطهور.
أحد هؤلاء الرجال قال عنه المفكر الجسور نعوم تشومسكي: «الأثرياء وذوو المكانة والحظوة يكرهونه، فهو منحاز للفقراء، مناصروه في الأحياء العشوائية، وأعداؤه يقطنون الشقق الفاخرة في بيليكان».
انه شافيز رئيس فنزويلا، الذي تحول، بفضل أفكاره اليسارية، إلى جرس إنذار في رقبة ناهبي الثروات في بلاده.. فهو الذي حذر كبار الملاك من عدم استغلال أراضيهم لصالح الناس، واقتطع مساحة كبيرة من شواطئ فنزويلا لمساعدة الصيادين البسطاء.
وانشأ مؤسسات القرض الشعبي مثل بنك النساء وبنك الشعب، كما أنه أقدم على خطوة غاية في الإنسانية عندما استحدث برنامجاً اذاعياً بعنوان «آلو .. يا رئيس» ليتعرف بنفسه على مشكلات مخاطبيه من أبناء شعبه.
من الصعب حصر انجازات شافيز الداخلية في هذه المساحة، لكن مايهمنا في سياسته الخارجية هي أنه أصبح أحد ألد أعداء الولايات المتحدة التي ترفض وجوده في السلطة رغم الانتخابات الحرة التي فرضته وسط تأييد الجيش وأبناء شعبه المسحوقين.
ما يزعج أميركا هو أن شافيز أنهى الدور التقليدي الذي كانت تلعبه فنزويلا، قبل رئاسته، في تحطيم وحدة منظمة أوبك عبر التلاعب في حصص الإنتاج لخفض الأسعار متى طلبت الولايات المتحدة ذلك، الأمر الذي اعتبرته الأخيرة مؤامرة واستعداء لها، رغم أن الرجل يحافظ على ثروات بلاده ويسعى إلى تماسك أوبك في وجه استنزاف نفطها.
في رأينا أن حالة العداء المستحكم بين أميركا وفنزويلا لا تندرج فقط تحت حرب النفط، بل صراع بين زمنين، وهما الزمن النبيل وزمن رعاةالبقر .. بين رجل طبع مليون نسخة من كتاب دون كيشوت ووزعها مجاناً على شعبه ليذكرهم بأخلاق الفرسان والشهامة، وبين ثقافة احترفت سرقة التاريخ.
بين رجل يسعى لفك الارتباط بين النخب الثرية في فنزويلا وبين أسيادهم في الولايات المتحدة، تلك النخب التي هربت أكثر من 90 مليار دولار إلى ولاية فلوريدا، بين رجل يسعى لمساعدة دول أميركا اللاتينية عبر ضخ النفط بأسعار تفضيلية وبين آلة سياسية لا تعرف إلا لي أعناق الشعوب وإفقارهم.
من الصعب القبول بأن شافيز يمثل ظاهرة أخلاقية فرسانية، إلا إذا اعتبرنا ان الزمن القميء الذي نعيشه هو الطبيعي الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه!