في حوار مع واشنطن بوست صرحت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية حين بادرها أحد الصحافيين بسؤال حول الفوضى التي قد تحدثها تدخلات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بقولها «إن الوضع الحالي ليس مستقراً، وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي فوضى خلاقة ربما تنتج في النهاية وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً».
وتمضي رايس في معظم تصريحاتها بالنظر إلى حالة عدم الاستقرار إلى كونها فوضى ضرورية لتحقيق الهدف الذي تصرح به الولايات المتحدة من أجل ما تزعمه من تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي والاجتماعي لضمان حقوق الإنسان.
وإزالة الأنظمة المستبدة التي كانت السبب المباشر لتوالد الخلايا الإرهابية التي تهدد أمن أميركا والعالم كله. فعلى الولايات المتحدة أن تكون حاسمة وتمضي بلا تردد في إعادة النظر في الأوضاع في الشرق الأوسط «مهما تكن المخاطر الناجمة عن ذلك» كما تقول وزيرة الخارجية الأميركية.
إنّ رايس، ومعظم السياسيين الأميركيين يحاولون توجيه الأنظار إلى النتيجة التي يصورونها على أنها حلم إنساني جميل بحيث تتعلق الأبصار به متعامية عن الواقع المرير الذي يتفجر كل يوم عن الحقائق التي تتكشف عن أوهام يكذبها الواقع الذي يقول إن كل ما تفعله أميركا هو محاولات في سبيل تحقيق مصالحها.
وهي بذلك تكرر نفسها وأخطاءها عبر تاريخها الطويل في سعيها المحموم المجنون لفرض سيطرتها وبسط هيمنتها على العالم بشتى الوسائل وكل الطرق المبررة وغير المبررة.
وقد تشكل مصطلح «الفوضى الخلاقة» الذي استندت إليه رايس في صفوف اليمين السياسي الأميركي ليعبر عن مسارات التغيير التي تتبناها الولايات المتحدة -في الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
- وتعمل على تنفيذها في أرض الواقع باستراتيجيات مختلفة لكنها لا تخرج عن طريقتين ذكرهما ريتشارد هس مدير التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأميركية في مقاله المطول الذي جاء بعنوان «تغيير الأنظمة»، الأولى تغيير الأنظمة من الخارج وبالقوة، والثانية التغيير المتدرج من الداخل. فالتغيير الذي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه وتحقيقه على الأرض هو تغيير للأنظمة المعادية لأميركا أو المهددة لها ولأمنها وأمن إسرائيل.
ولكن الاسم الذي يعدّ علماً بارزاً في تأصيل فكرة «الفوضى الخلاقة» وتأكيدها هو ناتان شارانسكي الذي أشار إليه الرئيس الأميركي جورج بوش في حديثه مع الصحافيين بقوله «إذا أردتم الاطلاع على مفهومي للسياسة الخارجية فاقرأوا كتاب ناتان شارانسكي. فإنه سيساعدكم على فهم الكثير من القرارات التي اتخذت والتي قد تتخذ».
وشارانسكي هو الذي قالت له رايس حين دخل مكتبها فوجد كتابه على طاولتها «قد تتساءل لماذا أقرأ هذا الكتاب؟ وأجابته فورا: لقد قضى الرئيس إجازة الأسبوع في قراءته ويجب عليّ أن أعرف كيف يفكر الرئيس».
شارانسكي الذي شغل منصبا وزاريا في حكومة آرييل شارون ثم استقال احتجاجا على قرار الخروج من غزة، يصبح نجما سياسيا تقوم سياسة أميركا الخارجية على الاهتداء بآرائه التي دونها في كتابه «قضية الديمقراطية»، والتي ترى العرب أقليات دينية عرقية متنابذة لا تستطيع العيش ضمن منظومة دول حضارية، فهي ـ على ذلك ـ تشكل بيئات مثالية لتفريخ الإرهاب وتغذيته مما يجعلها وسطا يمثل تهديدا لأمن أميركا لا سبيل إلى تجاهله.
وهو على ذلك يدعو أميركا إلى استخدام الطائفية في إطار ما يسمى بالفوضى الخلاقة للقضاء على مكامن الشر واستئصالها، وتحقيق الديمقراطية في المنطقة. وهو يؤكد على أن الإسلام حركة إرهابية تشكل تهديدا مستمرا لا يتوقف للعالم الغربي كله، وأن العمل الأمني البحت لا يكفي للقضاء على هذا التهديد بل يجب أن يشفع باستراتيجيات أخرى تضمن انتزاعه والقضاء عليه تماما.
وتأتي استراتيجية «الفوضى الخلاقة» في مقدمة هذه الاستراتيجيات، لأنها تجد قبولاً عند بعض الناس ممن يرون في أميركا طريقهم الوحيد نحو التخلص من نير الظلم والاستبداد وتحقيق العدالة والديمقراطية على هذه الأرض التي أثبتت عجزا لافتا في النهوض بنفسها وتحقيق الإصلاح بجهود ذاتية داخلية خالصة.
وعلى الرغم من أنّ نجم شارانسكي الساطع في سماء السياسة الأميركية يزداد تألقا ولمعانا، فإنه ليس النجم الوحيد الذي تهتدي به الإدارة الأميركية وتبني على هدي من توجيهاته قراراتها الساعية نحو الهيمنة وإخضاع الآخر.
فبعض الباحثين يشير إلى مصطلح «التدمير الخلاق» الذي نادى به من قبل مايكل ليدن إشارة إلى ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لتحقيق أمنها والحفاظ على هيبتها خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر، فهو يؤكد أن التدمير البناء هو صفة أميركا المركزية.
لأن أميركا تسعى بلا توقف إلى تمزيق كل الأنماط القديمة في السياسة والأعمال والعلوم والعمارة والآداب والقانون والسينما، ولكن هذا السعي «النبيل» له أعداؤه الذين يقفون في وجه هذه الطاقة الخلاقة المتدفقة، وهؤلاء يجب تدميرهم والقضاء عليهم حتى تتحقق لنا أهدافنا السامية في مهمتنا التاريخية الكبرى.
وهناك آخرون تبنوا هذه الفكرة وعملوا على تطويرها، كما فعل توماس بارنيت في كتابه «الخريطة الجديدة للبنتاغون» الذي يقسم فيه العالم إلى قسمين: دول المركز أو القلب، وهي الولايات المتحدة وحلفاؤها، ودول الفجوة أو الثقب، وهي كل الدول الأخرى.
وهو يشبه هذه الدول بثقب الأوزون لأنها لم تكن ظاهرة قبل أحداث 11 سبتمبر، ويعرفها بأنها الدول المصابة بالفقر والأمراض والقتل الجماعي والنزاعات المزمنة والحكم الاستبدادي، ويحدد استراتيجية مقترحة للأمن القومي الأميركي من خلال هذا التصور يتجه إلى سيطرة القلب وتقويته والعمل على انكماش الثقب وتقويضه.
وإذا تأملنا واقع العالم العربي اليوم فإنه ـ للأسف ـ يقدم العون لفكرة الفوضى الخلاقة ويعطي كل المبررات والأسباب التي تفتعلها دولة القطب الواحد. للمضي قدماً فيما ترمي إليه. فهل الزمان زمان الحلم الأميركي ذي الوجهين النقيضين؟
وهل نسي التاريخ حلما نشأت عليه أجيال من الشباب العربي يخفق فؤاده حبا ونشوة وهو يردد: بلاد العرب أوطاني ... ولماذا لا يبزغ الحلم الأميركي إلا وهو يقتل الحلم العربي ويدسه في التراب؟ لعل التفكير في هذا السؤال يوقظ التاريخ ويعيد للأذهان حلما قد لا تعرفه الأجيال القادمة ولا تذوق حلاوة التعلق به وعدم التخلي عنه مهما خضبت أميركا آفاقنا بالسواد والقهر والأكاذيب.
على أنّ فكرة الفوضى الخلاقة قد تكون سيفا ذا حدين لأميركا؛ فإحداث الفوضى ليس بالضرورة محكوما بقوانين الهيمنة الأميركية التي لا يخطئها التصور المحسوب، فقد ينقلب السحر على الساحر ويغرق العالم كله في فوضى قد تجر الخير على هذه الأمة في منقلبها الأخير.
جامعة الإمارات