يحتاج الخليج إلى عشرات الآلاف من المحاربين على ان يصلوا بسرعة 15 ساعة، هكذا أجاب الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر على مقترح وزيرة الدفاع الفرنسية في منتدى الأمن الخليجي في البحرين، يوم السبت الموافق الثالث من ديسمبر الجاري.

بعد ان قدمت خطاباً انتقدت فيه احتكار الولايات المتحدة في تحمل مسؤولية الأمن في المنطقة، التي وصفتها بالمتوترة، ضعيفها يخاف كبيرها وتتطاحن طوائفها، وتصطدم عرقياتها، وتتصارع شواطئها بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل.

كما تضيف الوزيرة الفرنسية في إشارة إلى الدور الأوروبي في المساهمة في أمن الخليج، عن طريق توسيع المصالح الثقافية ـ مثل «فرع جامعة السوربون في أبوظبي» والتحاور مع الناتو، ولكن الأهم هو قوة التدخل السريع الأوروبية التي يصل عددها إلى 1500 جندي وتصل المنطقة خلال خمسة عشر يوماً، مع التنويه بحجم التجارة بين الطرفين وتقديم المساعدات للدول الفقيرة في المنطقة مثل اليمن.

هذا موجز للمداخلة الفرنسية التي جاءت بعد حديث الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري الذي كان صريحاً في تأكيد صعوبة الاتفاق بين دول المجلس على مصادر الخطر بسبب انعدام الثقة وتلميحات الكبير ضد الصغير، وانعدام الشفافية الإعلامية، وتقديمه اقتراح توسيع الاتفاقات الثنائية بين دول المجلس وكل من واشنطن ودول أوروبا، وبعض دول المنطقة مثل إيران والعراق والأردن في المستقبل.

بصراحة لم أجد في المداخلة الفرنسية الشيء المقنع والمريح، وسألت شخصياً الوزيرة الفرنسية عن وحدة الكلمة بين الاتحاد الأوروبي وعن الجاهزية الأوروبية للتدخل ومشاركة الولايات المتحدة في تحمل أعباء الدفاع، وفي الفجوة الواسعة بين الكلمات والإنجازات.

ولم أكن وحيداً في هذا التساؤل وإنما شاركني بعض الأعضاء الأميركيين وغيرهم من المشاركين الذين عبروا عن التمنيات في مشاركة أوروبا في أعباء الخليج، التي يتحملها الآن دافع الضريبة الأميركي، مع التأكيد أن الأمن في الخليج لا توفره الجامعات الثقافية أو التجارة وانما الإرادة في المشاركة وفي التواجد العسكري..

وخرجنا من المؤتمر بأن أوروبا مازالت غير قادرة في التوصل إلى اتفاق موحد، ولا تملك الإرادة ولا الإمكانات، ولكنها تملك العنصر الإضافي الذي تحتاجه منطقة الخليج في المشاركة في المساعي الدبلوماسية، حول برنامج التسلح الإيراني.

وحول تهيئة الأجواء لاتفاق وطني عراقي، والإسهام في دفع خارطة الطريق الفلسطينية، والمشاركة في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكلها عناصر مفيدة لكنها تضيف إلى.. ولا تحل بديلاً عن الذراع الأميركية المؤثرة.

جاءت السيدة تاونسند المستشار الشخصي للرئيس الأميركي لشؤون الإرهاب، وقدمت خطاباً حول الوسائل الناجعة لمحاربة الإرهاب مع مقترحات المشاركة الدولية في بنك المعلومات والمركز الدولي للإرهاب مع التركيز على العلاقات مع مجلس التعاون، على خارطة الطريق في فلسطين، مخاطر إيران والدول المارقة، لكنها لم تعط شيئاً ذا قيمة للدور الأوروبي في الأمن الخليجي، معتمدة فقط على البناء الذاتي الخليجي والارتباطات الأميركية، لكنها أثنت على الدور الأوروبي الدبلوماسي في البرنامج النووي الإيراني.

جاء وزير الدفاع البريطاني المستر ريد، بخطاب واقعي مستمد من تجارب بريطانيا سابقاً في الخليج وفي ايرلندا، لو لم يكن متحمساً للطرح الفرنسي مع ترسيخ عقيدة الائتلاف الأميركي ـ البريطاني ـ الخليجي في الحفاظ على الأمن والهدوء في المنطقة.

ويمكن إيجاز التوجهات في ذلك المؤتمر المهم الذي استضافته البحرين، وقدمت له الدعم والتسهيلات والمشاركة بحضور مكثف لولي العهد ووزراء الدفاع والداخلية.

أولاً هناك اعتراف عالمي بأن الخليج ـ له ـ خصوصياته الإيجابية وهي: قدرة المال وقدرة الاعتدال، وقدرة الطاقة في الرمال، له دور جوهري في الأمن العالمي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وهناك التزام أميركي ـ بريطاني في تأمين استقراره، وهناك اختلال أوروبي حول الدور الأوروبي وانعدام الجاهزية العسكرية الأوروبية، واستبدالها بالتواجد التجاري والثقافي والدبلوماسي، وغياب تام للدور الآسيوي الذي يعتمد بشكل متصاعد في حياته الاقتصادية على الهدوء في المنطقة. مع استعداد دراسة ما يطلب من الهند أو من الصين للمساهمة في الأمن والاستقرار.

ثانياً: هناك ضعف في التصميم الخليجي متمثلاً في اختلافات دول المجلس حول تصاعد التهديدات، وحجم المخاوف من البرنامج الإيراني النووي، وتردد خليجي في بناء قوة مستقبلية واعدة تعتمد على نواة درع الجزيرة، واشعر بأن هناك ارتياحاً من الترابط الخليجي ـ الأميركي ـ البريطاني مع الترحيب بآليات.

إضافية دون ان تؤثر في هذا الترابط الذي وفر الارتياح والاطمئنان ليس لدول الخليج فقط وإنما للاسرة العالمية التي ترى في الوجود الأميركي رخصة سماح تعفيها من المشاركة، دون تحمل أعباء لوجستية أو مالية أو سياسية.

ومن المناسب الإشارة إلى غياب الاهتمام العربي في هذا الموضوع، باستثناء المداخلة التي قدمها الدكتور رشاد العليمي وزير الداخلية اليمني،.

والتي اشار فيها إلى هموم اليمن وإجراءاته ضد الإرهاب مع المطالبة بمشاركة حقيقية يمنية ـ خليجية للقيام بالدور الأمني الاستراتيجي المنوط بها، وكذلك يطالب اليمن في معالجة الفقر والتخلف ضمن إطار شراكة حقيقية يقدم فيها كل طرف وفق إمكاناته.

ثالثاً: جاء نائب الوزير الإيراني رضا باقري بالشيء المتوقع في تقديم تصور إيراني عن بناء منظومة أمنية من دول المنطقة، تخرج الزائر الأجنبي والبريطاني والأميركي، غير المنتمين إلى الساحل الخليجي، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل. مع التأكيد على حوار خليجي ـ إيراني حول العراق، والدفاع عن نوايا إيران..

سألت شخصياً الوزير الإيراني عن تدخلات إيران في إضعاف القيادة الفلسطينية (أبو مازن) وفي رفضها لإعلان منطقة الخليج خالية من السلاح النووي، فرفض الفصل بين الخليج والشرق الأوسط، ورافضاً الاتهامات حول إضعاف أبو مازن، ويردد بشكل قوي حسن النوايا الإيرانية تجاه دول الخليج، ويحتج على مداخلات وكالة الطاقة النووية في فيينا مع رفض إيران للحوار مع أميركا أو قبول قيود على برنامجها السلمي النووي.

رابعاً: لم تسلم مداخلة الولايات المتحدة من النقد حول سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل التي وصفها الوزير الإيراني بالنفاق والازدواجية والتعالي وعدم الإصغاء إلى رأي الآخرين.

لكن الولايات المتحدة كانت في المؤتمر ليس بتواجد الوزيرة فقط، وإنما بالعدد الهائل من المختصين القادمين من مراكز الأبحاث في واشنطن ومن الجامعات، وقد قابلت أصدقاء قدامى لم أرهم من مدة طويلة، واستمعت إلى مداخلات من صحافيين بارزين نقرأ لهم في الصحافة الأميركية.

وخرجوا، مثلي، بتساؤلات عن نوايا إيران التي رفض ممثلها التحدث عن آليات بناء الثقة في الخلية قبل الاطمئنان لمطالبته في إخراج الزوار المغتصبين لحقوق أبناء المنطقة.

واستفسروا أيضاً عن العناصر في مداخلة كل من الوزير العماني السيد يوسف العلوي حول باكستان والهند ونظريته في استتباب الأمن طريق التنمية بدلاً من سباق التسلح، وعن مداخلة الوزير القطري الشيخ حمد بن جاسم حول المخاوف وانعدام الموقف الخليجي الموحد.

تحدث من الكويت الشيخ صباح الخالد رئيس الجهاز الوطني الذي جاء على رأس وفد كبير من أبناء القوات المسلحة والداخلية، ومعه السفير الكويتي في لندن، وقدم كشفاً عن إجراءات الكويت الأمنية لمواجهة الإرهاب، مع منظور كويتي عن أمن المنطقة، يتمثل في حلقة مجلس التعاون والارتباط مع دول التحالف.

أشعر بأن المزاج العام في المؤتمر هو التعايش الإيجابي مع الدور الأميركي ـ البريطاني، وكذلك القلق من البرنامج النووي الإيراني، والخوف من احتمالات المواجهة، ومخاطر تهميش إيران، وعجز إيران عن توفير الثقة في دبلوماسيتها والتعالي في طرح آرائها، وعدم واقعية المنظور الفرنسي، وخلو المسرح من الإسهام العربي، وتصاعد الاهتمام الآسيوي في قضايا الخليج.

نجح المؤتمر بفضل عطاء البحرين وتبنيها للمؤتمر، وكفاءة مركز الدراسات الاستراتيجية في لندن، واهتمام الكفاءات العالمية في المنطقة، وحساسية الوضع الحرج والمتوتر بين إيران ووكالة الطاقة، وأهم من كل شيء بفضل رصيد دول مجلس التعاون في قضايا الطاقة والمال والاعتدال.

رئيس المركز الدبلوماسي

للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت