لا شك أن عدوى المشاركة السياسية والتعددية الثقافية والحوار والشفافية والمساءلة قد انتقلت إلى العالم العربي وأصبحت أمراً عاماً وشائعاً لا سيما بعد أن بدأت ثورة المعلومات والاتصالات تصل إلى المواطنين بلا خيوط أو حدود، ومن خلالها ظهر التأثير والتأثر كما ارتفعت موجة محاكاة التقدم والديمقراطية عند المثقفين والمهتمين بالشأن السياسي.

وقد سبق لنا أن أشرنا في مقالات سابقة إلى مستقبل الديمقراطية في الدولة الاتحادية، وهو مستقبل مؤكد، نتيجة استقراء كل الدلائل والمؤشرات والتحوُّلات التي تعرضت لها في التاريخ الحديث.

ويعبر عن صدق ما أكدناه، القرار الأخير لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في الذكرى 34 لعيد اتحادنا المديد، بانتخاب نصف أعضاء البرلمان (المجلس الوطني) من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع.

وتعيين النصف الآخر، فبهذا القرار تتحول الإمارات العربية المتحدة تحولاً جديداً في سلسلة تحولاتها المستمرة نحو مجتمع الحداثة والتقدم والديمقراطية، إذ لا شك أن نصف أعضاء البرلمان يعني بالضرورة تفعيل دور المواطنين .

وزيادة المشاركة السياسية وتمكين المجلس الوطني الاتحادي من أداء دور أكثر فعالية وإيجابية في إدارة شؤون الوطن، من خلال مهمته التشريعية والرقابية للحكومة، ومن ثم يكون له ثقل وقدرة وفاعلية كسلطة تشريعية ورقابية أمام سلطة الحكومة كسلطة تنفيذية، وبذلك يكون أكثر قرباً من قضايا الوطن وهموم المواطنين.

وتأتي هذه الخطوة في تاريخ تحولات دولة الإمارات على نحو أوسع وأكبر مما كان يتوقع البعض من أنصار التشاؤم، ولكنها في الوقت نفسه معبرة عن جزء من توقعات كل أنصار التيار المتفائل، وكاتب هذه المقالة واحد منهم.

إن هذه الخطوة استجابة لطموحات المواطنين وتعبير قوي عن إدراك القيادة السياسية لاتجاهات الجماهير، وبها اختصر الشيخ خطوات عدة دفعة واحدة، كما تأتي تعبيراً عن اتجاه نحو توسيع المشاركة الإيجابية في صنع القرار.

وهي إضافة لخطوات سابقة يمارس فيها المجتمع الإماراتي الديمقراطية بدرجة محدودة في كثير من المؤسسات مثل انتخاب غرفة تجارة وصناعة دبي، والانتخابات في اتحاداتنا الرياضية، بالإضافة إلى سياسة «الباب المفتوح» القديمة في مجالس الحكم بالدولة.

ونظراً لأن هذا التحول الأخير غير قليل الشأن، ويعبر عن منعطف جديد في حياة الإنسان الإماراتي كما في حياة هذه الأمة الصاعدة، فسوف تكون له آثار متنوعة وكبيرة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويمكن أن نشير في عجالة إلى أهم هذه الآثار التي نتوقعها كنوع من التفكير المستقبلي في الشأن الاتحادي الوطني.

ولعل من أهم هذه الآثار حدوث قدر كبير من الحراك السياسي من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، فالحراك السياسي سوف يطال كل مستويات المواطنين وكل الشرائح الاجتماعية المختلفة داخل بنية النسيج الإماراتي، ويحرك غرائز المشاركة السياسية بل ويحفز النزعات الاجتماعية والثقافية والفكرية تحفيزاً قوياً.

لأن مناخ الحرية هو المناخ الطبيعي لذلك، أما ضيق مساحة الحرية أو انعدامها فيخنق الملكات الإنسانية، ويقتل روح المشاركة، ويكرِّس روح السلبية واللامبالاة.

ولن يأتي هذا الحراك السياسي بثماره إلا إذا أتى في جو من الوعي السياسي، هذا الوعي الذي نؤمن بأن المواطن الإماراتي يتمتع به لا سيما بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود من التحديث.

وفي الوقت الذي نتوقع فيه حدوث حراك سياسي ديمقراطي، فإننا لدينا قناعة بأن هذا سوف يحدث في نوع من المواكبة مع زيادة معدل قيم المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص، بشرط تفعيل مبادئ سيادة القانون ونضج أساليب الديمقراطية والشورى على نحو غير صوري من خلال «المجلس الوطني الاتحادي» الإيجابي.

والشجاع والفاعل والمعبر بصدق ودقة عن نبض الشارع الإماراتي، مجلس وطني اتحادي يعكس التمثيل الحقيقي لكل طبقات وتيارات المواطنين، ويعبر عن اتجاه تشريعي مواكب للتحولات العالمية دون التخلي قيد أنملة عن مصالح الوطن والمواطنين.

ولا يتأتى هذا بدون مشاركة برلمانية أشمل وبدون مساءلة جادة وموضوعية للمؤسسة التنفيذية ومختلف الجهات الحكومية، ولا شك أن هذا سوف ينعكس على الوطن وسوف يثري التجربة الاتحادية، ويدعم الروابط الوطنية، وينعكس على كل الجوانب الحيوية، مما يعزز من أسس وروافد شرعية النظام السياسي لدولة الإمارات، لا سيما إذا جاء التمثيل الانتخابي بمجموعة وطنية مثقفة وداعية ونشيطة تعمل من أجل تصحيح الأوضاع خلال المرحلة المستقبلية.

وفي هذا الإطار نتوقع زيادة حجم المشاركة الشعبية في التأثير على نواب البرلمان من صياغة عادلة ووطنية لمختلف القوانين والنظم واللوائح التي بات من الضروري مراجعتها لإصلاح النظام الإداري والقضاء على الفساد ومراكزه. فلا سبيل إلى ذلك بدون إرساء قاعدة الديمقراطية في المجتمع وتوسيع مجال الشفافية والمساءلة والحساب والردع.

وهذا ما نتوقع حدوثه مع استمرار الممارسة الديمقراطية وحرية التعبير، لا سيما إذا تحولت الصحافة إلى ممارسة سلطتها كسلطة رابعة. ولا شك أن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني سوف يشيع حالة من الجرأة النسبية على التعبير الحر، وفقد أي ممارسة خاطئة لأي فرد، ومن ثم فإن من الآثار المتوقعة زيادة حجم حرية الصحافة.

وأرجو ـ وكلي أمل ـ أن يتيح هذا القرار السامي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية وتقديم قيادات شابة تكون قادرة على صياغة التشريعات والتعامل مع المستجدات من خلال فتح قنوات جديدة أمام الشباب وجيل الوسط حتى يمارسوا دورهم في طرح الحلول لهموم وطنهم ومشكلاتهم وقضايا الأمة طرحاً يعبر عن روح العصر بالشكل المناسب والمنهج العلمي تحت قبة المجلس الوطني.

ومن المتوقع أن المواطنين الذين سوف يتم انتخابهم في «المجلس الوطني» خلال الدورة الجديدة المقبلة سوف يكونون محط أنظار جميع أبناء الوطن، بل سوف يكونون محط نظر كل الجهات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني العالمي المعنية بالشأن الديمقراطي، وخصوصاً المجالس البرلمانية العالمية. ولذا سوف يخضعون من الجميع لامتحان صعب في مدى قدومهم على نقل هموم المواطنين وقضاياهم إلى لجان المجلس الوطني الاتحادي.

وإذا قاموا بذلك فإنهم يكونون قد حملوا المسؤولية التي ينتظرها منهم المواطنون من أجل دعم أركان الاتحاد، وتقوية القاعدة الشرعية لنظام الحكم والسير بالدولة نحو مكانها اللائق بين العالم الديمقراطي في الفترة المقبلة.

خاصة إذا تم النجاح في ردم الفجوة بين جوانب الإصلاح المختلفة، وإحداث توازن في التجربة بين شقها السياسي وجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل عام، فلابد من تقليل المسافة بين التطور الاقتصادي والتحديث السياسي في نوع من المواكبة والتوازي مع بيئة اجتماعية متطورة ومنفتحة على الواقع الدولي ومجتمعات الحداثة في العالم المعاصر.

إن القرار التاريخي لصاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة في الذكرى «34» لعيد الاتحاد، بانتخاب نصف أعضاء «المجلس الوطني» من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع، سوف يزيد أيضاً من مساحة احترام حقوق الإنسان ويوسع نطاق الحريات الدينية ويؤدي إلى زيادة تمكين للمرأة وزيادة مشاركتها السياسية في بناء مجتمعنا الاتحادي.

ولكل هذا، فإن صورة المجلس الوطني سوف تتغير إلى مجلس وطني كروح خلاقة تأخذ بيدنا نحو مستقبل أفضل. والله من وراء القصد.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات