ما من مرة كانت الساحة اللبنانية مأزومة وسريعة العطب، أكثر مما هي عليه الآن، لحظتها الراهنة مشحونة بأقصى درجات التوتر والترقب والقابلية لإنتاج الصدمات المزلزلة وتختزن كل عوامل الاختلال، عوامل التوازن فيها موجودة، لكن رقعتها تتقلص.
وهي تتماوج كالزئبق بين الاثنين، وسط حالة من القلق العميق الذي يلفها من كل جانب، والأخطر أنها لحظة فاصلة ومصيرية. قد تذهب في أي اتجاه. تراكمت فوق هذه الساعة أثقال وتحديات وفواجع كثيرة، ولكنها من العيار الذي يكسر العظم ويهدد وضع البلد، الذي بات حاله يبدو كالبلورة الساخنة لا تحتمل أن يهبط عليها حتى رذاذ الماء. على الأقل هذا ما توحي به أجواء لبنان واللبنانيين.
قد يكون ذلك انعكاساً لحالة الإحباط الشديد السائدة، أكثر مما يعبّر عن حقيقة الواقع، الذي مازال يختزن إمكانات الصحوة والاستدراك، لكن الخلفية، مع اغتيال جبران تويني، أول من أمس، جعلت الإناء اللبناني يفيض.
والخوف الرئيسي، هذه المرة، أن وضع لبنان السياسي بدلاً من أن يتلملم تحت وطأة التحديات والكوابيس التي تهدده وتنذر بمفاقمة أزمته، نراه مع الأسف، وقد ظهرت عليه بوادر تشقق، خطير الطابع.
فالخلاف في المواقف والمقاربات ـ والذي لا غبار على شرعيته من حيث المبدأ ـ أخذ يتحول الى استقطابات ذات ألوان محكومة بالابتعاد عن خطوط التقاطع المشتركة، القادرة على شد عناصر اللحمة والتماسك اللبناني.
ويزيد من الحذر، في هذا الإطار، أنه في الماضي، لم تكن مثل هذه الاستقطابات قائمة أو حاضرة، في الحياة السياسية اللبنانية، على الأقل لم تكن كذلك بالحدة التي تعيشها الآن فالخلفية التي تحكمها اليوم ـ وبالتحديد منذ سنة.
وما يزيد ـ لم تكن قائمة في الماضي. يومذاك كانت القواسم المشترك، راجحة الكفة.
حالياً الأمور معكوسة، والمعادلة الآخذة في التشكل: وضع أمني مفتوح على المجهول وتتجمع في أفقه غيوم ملبدة من جهة، ووضع سياسي تتسلل إلى جداره خطوط التفسخ. وهنا يكمن الخطر.
وما يؤجج اللحظة الراهنة ان تطوراتها ترافقت مع صدور تقرير ميليس الثاني والذي احتوى على إشارات وتلميحات ومطالبات جاءت لتصب في حقن العلاقات اللبنانية ـ السورية بالمزيد من مسببات التوتر ورفع منسوبه.
الأمر الذي يبدو أنه ينعكس سلباً وتأزيماً على تركيبة المعادلة السياسية اللبنانية، وذلك في الوقت الذي بدأ يتضح فيه، أكثر فأكثر، ان خلاص لبنان هو بيد اللبنانيين، وحدهم، لا غيرهم، يمسكون بالمفتاح. والمفتاح قرار استراتيجي بالإنقاذ يقوم على تقديم الاعتبارات والحسابات اللبنانية على كل ما عداها.