ونحن على أعتاب توديع عام 2005 مازالت مآسي وهموم الشعوب العربية والإسلامية مستمرة من فلسطين إلى العراق مروراً بأفغانستان ومازال مسلسل اتهام العرب والمسلمين بالإرهاب مستمراً ويتكرر يومياً عبر أجهزة الإعلام المختلفة، وحتى العربية منها وأحياناً مع المبالغة.
جمعتني الصدفة في الآونة الأخيرة ببعض الشخصيات الأوروبية، وكنا نتابع معاً نشرة الأخبار في إحدى المحطات الفضائية الغربية، التي كانت تبث حينها صوراً ومشاهد حية عن انفجار المركز التجاري بناتنيا في إسرائيل، حينها علق أحدهم قائلاً: مازلت لا أجد تفسيراً لماذا هؤلاء الفلسطينيون يفجرون مراكز تجارية أغلب زوارها من المدنيين العاديين لا حول ولا قوة لهم، ولا ذنب لهم سوى أنهم اسرائيليون، قدرهم أنهم جيران لهؤلاء الفلسطينيين!!
قاطعته قائلاً: العكس هو الصحيح فقدر الفلسطينيين ان تحتل أرضهم ويضطرون إلى أن يتعايشوا مع جيران سلبوا أمنهم وأرضهم، أنا معك أن هذا ليس هو الحل، لكن فكر معي لماذا أقدم هذا الشاب الفلسطيني وهو في مقتبل العمر ولعله جامعي ومن المفروض ان لديه أحلاماً وطموحات على مثل هذا العمل؟ ما الذي دفعه لمثل هذه التضحية؟ أليس هو برىء كالآخرين وله الحق في الحياة الكريمة والعيش بأمان وسلام داخل وطنه؟
إن هذا الشاب الفلسطيني لم يقم بهذا العمل إلا كارهاً للحياة وناقماً عليها وعلى العالم نتيجة الظلم الذي يتعرض له هو وأهله وجيرانه وأصدقاؤه يومياً في مهانة وإذلال بهدم بيوتهم أو بفقدان أحد من أقاربهم أو بعدم السماح لهم بممارسة أية حقوق إن كانت لهم حقوق.
فلو تابع أحدكم الأخبار صباح اليوم وشاهد كيف تتعامل إسرائيل مع الفلسطينيين حين منعت مجموعة من الأطفال لم يتجاوز عمرهم الثامنة من الدخول إلى المدرسة إلا اذا مروا عبر جهاز للتفتيش، ماذا يتوقع هؤلاء الجنود الأسرائيليون من الفلسطينيين وهم يتصرفون بهذا الشكل مع أطفال أبرياء من المفروض زرع روح التسامح والإحترام داخل عقولهم لكي يتمكنوا من التعايش بسلام جنبا إلى جنب.
مع ذلك فالإعلام الغربي كعادته لم يعر الموضوع أهمية لأنه لا يهتم الا بالطرف الآخر الذي يستقوي به، فهؤلاء الأطفال رغم صغر سنهم إلا أنهم يدركون أن لا أحد يقف إلى جانبهم، واعتراضاً على هذا القرار قرروا الدراسة خارج المدرسة إيماناً منهم بأن العلم والمعرفة حق للجميع، ولا أحد يمكن أن يمنعهم من اكتسابه حتى لو كان أقوى منهم.
ألست معي ان مثل هذا القرار سوف يولد مثل ذلك التصرف؟ لو قبل هؤلاء الأطفال بهذا الأمر فإلى متى يستطيعون التحمل ومتابعة دراستهم في أجواء غير طبيعية؟ وهذا في أبسط حقوقهم.
لذا فان الشباب الفلسطينيين ليس لديهم إلا أرواحهم يقدمونها فداء لوطنهم وأرضهم وعرضهم، فلو حدث مثل هذا في أية دولة في العالم فسوف يستفز آباء وأقارب هؤلاء الأطفال ولو بالاعتراض والمطالبة بحقوق أبنائهم، وقد تقوم الدنيا ولا تقعد لشجب وإدانة هذا القرار، لكن الفلسطينيين لا يمتلكون ثروات طبيعية أو دبابات وطائرات، أو حكومات إرهابية لا تبالي بالرأي العام العالمي ولا تعمل حساباً لأحد.
فعندما يحدث شيء في إسرائيل تستنكر الحكومات الغربية وتتظاهر المنظمات الأهلية داخلها، أما عندما يحدث شيء للشعب الفلسطيني الأعزل فلا أحد يحرك ساكناً، فلو فكرنا في دوافعهم وفي قضيتهم المعلقة منذ سنين لألتمسنا لهم العذر فهم لا يمتلكون حتى رأياً مسموعاً للدفاع عنهم وعن قضيتهم.
أليست إسرائيل محتلة لأرض فلسطينية وجيشها المدعم بأسلحة أميركية وحكومتها المستقوية من قبل أميركا وحكوماتكم تبطش في كل ركن من فلسطين وتمارس الإرهاب على كل فرد فيها. وان كانوا أطفالا؟؟ أم أنكم ترون غير ذلك؟
لماذا لا تقاطع الحكومات الغربية إسرائيل وتفرض عليها عقوبات لتضطرها للخروج من أرض فلسطين، كما فعلت وتفعل مع دول أخرى؟ أليس هذا هو العدل والمنطق، أم عندكم هو التأييد العلني الذي يشجع إسرائيل على الاعتداء على شعب لا يمتلك غير روحه وكرامته.
حينها قاطعني أحدهم: لكن أنت تتحامل كثيراً على الحكومات الغربية فهذه الأعمال مدانة حتى من الحكومة الفلسطينية والحكومات العربية.
أجبته نعم: الحكومة الفلسطينية تدين هذه الأعمال لأنها مغلوبة على أمرها فهي لا يمكنها لا إيقافها ولا دعمها، أما الحكومات العربية فلا تسأل عنها فأغلبها تقوم بما تمليه عليها الولايات المتحدة الأميركية!