تسود بلادنا العربية في هذه المرحلة حالة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية والمادية والنفسية تكاد تشبه الفوضى. وكأن الأحداث غابة من السيوف والرماح والألغام الأرضية. حالة هوس، بالعلاج من عقد وأمراض وهمية أصبحت نتيجة الانهزام..

هوساً بالنصر. فمن المحيط إلى الخليج، تسري وشوشات ومناقشات، عن انقلابات.. انتخابات..اغتيالات واتهامات.. وكأنها تترقب الفرصة المواتية لتنقلب انفجارات، وبراكين هائجة. وإن أنت سألت أي عربي عن سبب هذا الخوف والقلق أجابك: إنه جورج دبليو بوش.

كان اليهود في زمن النبي موسى عليه السلام، وعلى مدى أجيال بعده يحرقون في كل عام كبشاً وذلك كفارة عن جميع معاصيهم. ويبدو لي أن العرب جعلوا من بوش ذلك الكبش. فهم يلقون على ظهره كل شاردة وواردة من المشكلات والمتاعب. فإذا جاعوا، بوش مسؤول عن جوعهم.

وحيثما ركبهم الفقر والجهل، وتفشت الأمراض، وانشلت الحركة، فبوش من وراء كل ذلك. وحيثما اشتعلت الفتنة الطائفية، أو السياسة قالوا: بوش يثير الفتنة ويزعزع الاستقرار في بلادنا.. ممكن أن يكونوا على حق في ذلك إلى حد ما.

فالإدارة الأميركية لا تحتل، أو تحارب أحداً. إلا إذا حاول بعضهم أن يحفر قبره بيديه. فالقاعدة التي تمشي عليها الإدارة الأميركية والتي تقتضي مصالحها، هي القاعدة الاستعمارية المعروفة منذ أقدم العصور: فرق تسد.

إلا أن عزو كل ما بهم من ضعف وتفكك إلى بوش والإدارة الأميركية وحدها، من شأنه أن يزيدهم ضعفاً، ذلك لأنهم يرون مكمن الداء. فهم لو تفحصوا أنفسهم، لوجدوا الداء فيهم قبل أن يجدوه في أميريكا. وأدركوا أن بوش ليس غير عرض من أعراض هذا الداء.

فأميركا لم تغز بلاداً إلا بدعوة من أهلها وعلى أكتاف شعوبها.من مثل هذه الأحداث علينا ألاّ نتعجب من المخططات الأميركية.ومهما يكن مراد الإدارة الأميركية، فهي لا تختلف بكثير عن أي حركة أو فكرة أو نبتة قابلة للنمو. ولا بد لها من تربة خصبة لكي تستطيع أن ترسل جذورها فيها، ومن جو ملائم لامتداد جذورها وأغصانها.

فعندما تتسابق الأحداث على الناس وتتحير الأمة بين هذا وذاك.عندما يصبح الحق قضية نسبية، وتتوزع بين القوى المتنافرة. يتحول الإنسان إلى الهوس والاضطراب ويبدأ بالسير على رأسه. المؤسف حقاً أن الدول الكبرى وحدها، بعيدة عن الشعوب، هي التي تقرر مصائر هذه الشعوب عبر مجموعة من الاتفاقيات السرية التي تنفذ على نار هادئة.. وزمن يصل إلى مئات السنين.

هاتفني جدي في تلك اللحظة.. وبعد الاطمئنان، سألته: «الحق على مين يا جدي بلي عم يصير فينا؟! على أميركا أم على القاعدة!!».

أجابني: أي قاعدة يا جدي؟... على علمي، أننا نعيش طول عمرنا بدون أي قاعدة!