عود على بدء، لكن هذه المرة لا تقتصر طروحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بشأن إسرائيل على الدعوة إلى شطب الدولة العبرية من خارطة العالم، بل يذهب الرئيس الإيراني إلى ما هو أبعد من ذلك من الناحية التاريخية ليشكك في حدوث محارق نازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

وليطرح حلاً لما عرف في الأزمنة الغابرة بالقضية اليهودية في أوروبا القديمة، وذلك عن طريق إقامة دولة لليهود على الأراضي الألمانية والنمساوية.

وانطلاقاً من فكرة أنه إذا كان الأوروبيون يشعرون بعقدة ذنب حيال يهود أوروبا جراء ما اقترفت أيديهم بحق أبناء هذه الديانة السماوية، فحري بهم أن يكفروا عن ذلك الذنب على حسابهم وليس على حساب غيرهم من الشعوب، التي لا ناقة لها ولا جمل في كل أحداث أوروبا خلال النصف الأول من القرن الماضي.

فضلاً عن أن السيد نجاد يعتقد بأن الأوضاع الجيوسياسية التي قامت في تلك الحقبة الزمنية في جميع أنحاء العالم ومن ضمنها الشرق الأوسط طبعاً، إنما قامت على أساس استراتيجية الغلبة وفي إطار موازين قوى أمنية وعسكرية لا يعتقد الرئيس الإيراني بأنها عصية على التغيير.

وكما حدث في المرة الأولى عندما دعا نجاد إلى شطب إسرائيل من جغرافيا العالم، قامت الدنيا هذه المرة ولم تقعد بعد في كل العواصم الغربية على ضفتي الأطلسي، حيث تطابقت آراء الزعماء هناك على إدانة تصريحات الرئيس الإيراني على اعتبار أنها غير مقبولة، مع تجديد الالتزام بضمان أمن إسرائيل وحمايته.

وارتفاع نبرة الأصوات المنادية بتحويل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، إلى درجة أن رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي خرج عن عادته في اتباع سياسة التهدئة، وقال إن صبر المجتمع الدولي قد بدأ ينفد حيال إصرار إيران على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي، فاتحاً بذلك الباب على مصراعيه أمام جميع الاحتمالات.

بات في حكم المؤكد أن التصعيد سيكون سيد الموقف في هذا الملف الشائك، سيما وأن رد الفعل الإيراني الوحيد أمام موجة الاستنكارات الدولية تلك قد تجلى في مناورات عسكرية إيرانية هي الأكبر من نوعها، استعرضت الدولة الإسلامية من خلالها في ميناء بندر عباس أقوى ما لديها من أسلحة استراتيجية تحت عنوان «الوفاء للقيادة».

بصرف النظر عن مدى دقة طرح الرئيس الإيراني حول إمكانية تغيير موازين القوى في العالم عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص وأسوة بما حققته الشعوب أو تطالب بتحقيقه فيما يتعلق بالتعامل الشفاف مع قضاياها المصيرية، خشية أن تصبح طي النسيان أو يسدل عليها ستار الكتمان أو تدخل في غياهب المسلمات القائمة على سياسات الأمر الواقع، فإنه لابد من الرجوع بالتاريخ إلى الوراء قليلاً .

وتذكير من نسي أو تناسى عن قصد أو عن حسن نية أو بحكم البلاهة بأن الأرض موضوع النقاش كانت حتى الأمس القريب أرضاً عربية تدعى فلسطين يحدها من الشمال لبنان ومن الجنوب البحر الأحمر وصحراء سيناء ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط ومن الشرق نهر الأردن.

وبأنها أحتلت عام 1948 على يد عصابات صهيونية بمؤازرة دولية تصدرتها بريطانيا وأنشأت عليها دولة مصطنعة أطلق عليها «إسرائيل»، وبالتالي فإن الفترة التي تفصلنا عن ذلك التاريخ لا تتجاوز 56 عاماً.

أي ان هذه المأساة لم ترق بعد إلى مستوى النسيان، لا سيما إذا تذكرنا أيضاً أن النصف الأول من القرن العشرين قد شهد في أوروبا تحديداً قيام دول جديدة ودمج قوميات وأديان وأعراق بأخرى، ما لبثت كياناتها أن انهارت بمجرد إنهيار داعميها، لا بل إن من يندد الآن بدعوات الرئيس الإيراني هو نفسه من دعم وساند بكل قواه عملية إعادة تلك الكيانات الأوروبية إلى حالتها الأصلية.