منذ بداية الثورة الصناعية في أوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أخذت مقومات القائد السياسي ومؤهلات القيادة المجتمعية تتغير بشكل متسارع وتتجه نحو التركيز على تحقيق إنجازات مادية وغير مادية داخل الوطن، وليس على هزيمة العدو وإلحاق الضرر به.
وبسبب نجاح الثورة الصناعية في تحقيق تقدم اقتصادي وعلمي وتكنولوجي كبير ومتواصل من ناحية، وانتشار الديمقراطية كنظام حكم وقيمة اجتماعية ـ ثقافية من ناحية ثانية، فإن أوروبا شهدت تبلور مجتمع جديد اختلف عن سابقه اختلافا نوعيا كبيرا.
ولقد كان من ميزات ذلك المجتمع التوجه نحو المؤسسية في الاقتصاد والسياسة وفي البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وظهور طبقة متوسطة ذات دور متزايد ونشط في الحياة العامة، وهو ما ترتب عليه تقليص دور القائد-الفرد في المجتمع وإعادة النظر في معنى وأهمية القائد التاريخي بوجه عام.
كان القائد ـ الفرد في الماضي هو المسؤول الأول والأخير عن اتخاذ كل القرارات السياسية المهمة على مستوى الدولة، حيث ان بساطة القضايا وطبيعتها الايديولوجية غير المعقدة جعلت بإمكان القائد أو الحاكم اتخاذ القرارات دون تساؤل أو مساءلة من أحد. أما في ظل المجتمع الصناعي ومؤسساته الديناميكية المعقدة، فإن القضايا السياسية وغير السياسية أصبحت كثيرة ومتشابكة ومعقدة مما جعل الخيارات متعددة والقرارات صعبة.
ومع اتساع نطاق الحرية والديمقراطية وسيادة مؤسساتها، وإرساء مبدأ مشاركة الشعب في اتخاذ القرارات المصيرية وحقه في مساءلة الحاكم، أصبحت عملية اتخاذ القرارات المصيرية جماعية ومؤسسية في آن واحد، حيث أصبح على الحاكم الرجوع لممثلي الشعب قبل اتخاذ قراراته.
وهذا جعل القائد السياسي يتحول تدريجيا إلى مدير منتخب من قبل الشعب يجلس على رأس مؤسسة كبيرة متشعبة الأنشطة والاهتمامات اسمها الدولة، وجعل قادة التجمعات والنشاطات المختلفة من أفراد ومجموعات ضغط ومؤسسات مجتمعية.
وقوى اجتماعية تتنافس فيما بينها من أجل التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عامة، ودفعها للسير في الاتجاه الذي يخدم مصالحها ويتجاوب ورؤيتها الفلسفية الخاصة للأمور.
إن تشابك مختلف النشاطات في المجتمع، ووجود علاقة تأثير متبادل بين كل النشاطات بغض النظر عن طبيعتها السياسية أو العسكرية أو الأمنية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية أو العلمية أو التكنولوجية أو الدولية جعل من غير الممكن، ومن غير المنطقي أيضا، السماح لشخص واحد مهما أعطي من علم وفطنة وسمات قيادية الانفراد في اتخاذ القرارات المصيرية.
وفي ضوء اتجاه غالبية شعوب العالم إلى المطالبة بالمزيد من الحرية والديمقراطية، وبسبب تسارع عملية العولمة وخضوع العملية التاريخية لفعل عمليات مجتمعية معقدة ومتشابكة، فإن القائد التاريخي أصبح مجرد ظاهرة تاريخية قديمة، وتجربة في الحكم تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة للتعامل مع استحقاقات العصر.
إن القائد التاريخي في الواقع ليس إلا ظاهرة عاشت في عهود الظلام والظلم والاستبداد وهيمنة الإيديولوجيات الشمولية على المجتمع، وماتت تحت أقدام الحرية وفي أحضان الديمقراطية، ودفنت تحت ركام التقدم العلمي والتطور التكنولوجي والرفاه الاقتصادي، وحملته إلى مثواه الأخير تراكمات الوعي الإنساني المتطلع دوما نحو المزيد من الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
إن موت ظاهرة القائد التاريخي كانت مصحوبة أيضا بموت فكرة زالثورةس كأداة فعالة لإحداث تغيير جوهري في المجتمع ينقله من حالة تتصف بالتخلف إلى حالة تتصف بالتقدم، ومن حالة التبعية إلى حالة الاستقلال والحرية.
إن فشل المحاولات الثورية الكثيرة التي وقعت في مختلف بقاع العالم لم يقل عن فشل القيادات التاريخية التي سادت في العصور القديمة والحديثة على السواء، مما جعل فكرة التطور تحل محل فكرة الثورة كأداة لإحداث التغير المجتمعي وتحقيق الأهداف المجتمعية المنشودة.
لقد كان على مختلف المجتمعات الإنسانية معاناة الظلم والقهر ومعايشة القتل والدمار لآلاف السنين قبل إدراك أهمية العمليات المجتمعية في حياة المجتمع والاعتراف بدورها القيادي في إدارة عمليات التطور وصنع التاريخ.
ومما ساهم بفاعلية في اختفاء ظاهرة القيادة التاريخية وفقدان الثقة بالثورة والثوريين تراجع أهمية العقائدية في الحياة المجتمعية عامة، خاصة الإيديولوجيات السياسية ـ الاجتماعية والإيديولوجيات الاجتماعية-الاقتصادية الشمولية.
وتشير سجلات وأحداث التاريخ القديم والحديث على السواء إلى أن العقائدية بمفهومها السياسي ـ الاجتماعي والديني كانت مصدر الشرعية لسفك دماء الأبرياء وارتكاب الجرائم بحق المواطنين والغير على مدى العصور، والمطية التي ركبها كل القادة التاريخيين لتحقيق العظمة ودخول سجلات التاريخ.
إن حدوث تطورات كبيرة وعميقة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في حياة المجتمعات الإنسانية عامة، وحدوث تغير نوعي في النظرة الفلسفية لغالبية المفكرين والمثقفين والمؤرخين والسياسيين حتم إعادة النظر في سجلات وانجازات وموقع القادة العظام من أمثال ستالين وهتلر من حركة التاريخ ومن حياة مجتمعاتهم.
نتيجة لذلك لم يعد ينظر إلى أولئك القادة باعتبارهم قادة تاريخيين، بل كرجال موتورين ارتكبوا الكثير والخطير من الأخطاء والجرائم بحق شعوبهم وبحق الغير أيضا، وذلك لإشباع رغبات شخصية وانطلاقا من فلسفات عقائدية خاطئة وغير إنسانية.
وفي الواقع، أصبحت الحرب كأداة لإدارة الصراع مع الغير وحل النزاعات الدولية وفض الخلافات بين الشعوب خيارا ممقوتا لا يحبذه ولا يدعو له من القادة والمفكرين السياسيين سوى المتطرفين من أتباع الإيديولوجيات المتحجرة، والأقزام من القادة، والمتعصبين العنصريين من المثقفين التقليديين الذين فاتهم قطار الزمن وكاد أن ينسى التاريخ أسماءهم وأماكن تواجدهم.
لقد أثبت الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، ومن قبل ذلك لفيتنام، أنه ليس بمقدور الحرب وحدها أن تحل مشكلة معقدة مثل مشكلة الإرهاب الدولي، وأن الدبلوماسية لا بد وأن تحل محل القوة العسكرية أو ترافقها وتكملها.
كذلك أثبتت الغطرسة الإسرائيلية وقيام آلة القتل والدمار الإسرائيلية بغزو لبنان واحتلال أراضيه في العام 1982 أن هناك حدودا للقوة العسكرية لا تستطيع المعدات الحربية الحديثة والتكنولوجيا المتطورة تجاوزها مهما بلغت من دقة التصنيع والقدرة الفائقة على التحكم، وان القيام بمغامرات عسكرية واستعراضات غير محسوبة للقوة من المؤكد أن تعود على مرتكبيها بالفشل والأضرار المادية والنفسية.
فبدلا من القضاء على عدو قديم هو منظمة التحرير الفلسطينية، تسبب الغزو الإسرائيلي للبنان في ميلاد عدو صلب جديد هو حزب الله، وعلى صعيد آخر تسبب الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق إلى تعميق كراهية العالم لأميركا واتساع نطاق الإرهاب الدولي.
ربما كان الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول آخر قادة أوروبا التاريخيين الذين أدركوا أن وجوب وضع حد نهائي لظاهرة القائد التاريخي، وضرورة استخدام سلطات ذلك القائد للمرة الأخيرة لإنهاء حرب شرسة غير عادلة، والاستسلام لإرادة الشعب المقهور وحقه في نيل الحرية.
إذ رغم انجازات ديجول العسكرية، خاصة أثناء المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني، إلا أن أهميته الحقيقية تنبع من قراره الشجاع بانتهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر، وهذا جعل القبول بالهزيمة بالمفهوم العسكري التقليدي، وليس النصر العسكري، هو صفة مهمة من صفات القائد التاريخي في هذا العصر.
وحين أراد ديجول الحصول على سلطات استثنائية لإدارة شؤون الحكم وجد نفسه مضطرا للعودة إلى الشعب الفرنسي وطلب موافقته في استفتاء شعبي كانت نتيجته الرفض، مما اضطر ديجول إلى الاستقالة، معلنا بذلك أفول نجم القيادة التاريخية وانتهاء منطقها إلى الآبد.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي