إذا كان شر البلية ما يُضحِك كما يُقال فإن ما يُضحِك في الهزة الأرضية التي حدثت لدينا في الإمارات قبل أسبوعين، نتيجة الزلزال الذي ضرب جنوب إيران، ليس هو الذعر الذي أصاب البعض ودفع بهم للخروج إلى الشوارع والحدائق والمبيت في العراء، ولا هي «المسجات» التي طيّرتها الهواتف النقالة موزعة النكات والتعليقات كما هي العادة في مثل هذه المناسبات.
ولكن المضحك المبكي هو ما ختم به مراسل موقع «إيلاف» الإلكتروني الخبر الذي بثه من دبي عن الهزة الأرضية حين قال: (إن الأمر لم يخل مثلما الحال في كل الكوارث.
وأشباهها من الدعابات التي لم يخل بعضها من الحس الفكاهي مثل قول أحد الوافدين إن الهزة التي حدثت بشكل مخفف استوردها مسؤولو الإمارات حتى لا يبقى شيء يشعر الإماراتيون أنهم محرومون منه بعد أن وفرت الدولة لأبنائها كل شيء من مأكل وملبس وتعليم وزواج وسيارات ومساكن ووظائف وخلافه، حتى لم يعد هناك شيء يفتقده أبناء الدولة ـ وفقاً لنظرية صاحب الطرفة ـ إلا الشعور بوقع الكوارث مثل الزلازل وغيرها )!
نحن لا ننكر النعم التي حبانا الله بها، بل إننا نتوجه إليه بالدعاء في كل صلاة أن يديم علينا الرفاهية التي وفرتها لنا قيادة الإمارات مما لم يتوفر لشعوبٍ بلدانُها أكثر منا غنيً.
وأسبق إلى النهضة والتقدم، لكننا ندعو أولئك الذين يحسدوننا على دولة الرفاه التي يعتقد البعض أنه لم يعد ينقص أبناءها إلا الكوارث، حتى لو كان من باب الدعابة، ندعوهم ليستمعوا إلى ما تزخر به برامج البث المباشر في إذاعاتنا من شكاوى المواطنين.
وتلك الحالات الإنسانية التي تقدمها برامج مثل «أخبار الإمارات» لمواطنين يعيشون تحت خط الفقر في بعض المناطق، لنجد أنفسنا أمام صورتين متناقضتين؛ صورة مبالغ فيها، يراها البعض وردية إلى الدرجة التي لا ينقص أصحابها إلا الشعور بالكوارث مثل الزلازل التي يستوردها لنا المسؤولون حتى لا نشعر بالحرمان من شيء في هذه الحياة كما يقول صاحب الطرفة، وصورة نقيضة تعكسها هذه البرامج .
وتسلط الضوء عليها بجرأة تحسدها عليها وسائل الإعلام المقروءة من صحف ومجلات تمارس على نفسها نوعا من الرقابة الذاتية، أو تفرض هذه الرقابةَ عليها طبيعتُها التي تتيح نوعاً من التفكير والتروي لا تتيحه برامج البث المباشر التي يجد المستمع نفسه فيها على الهواء مباشرة.
فينطلق مغتنما الفرصة للتعبير عن آرائه ومشاكله ومشاعره المكبوتة دونما سيطرة كاملة لمذيعي هذه البرامج عليه، لأن الكلمة التي تخرج على الهواء لا يمكن ردها أو كبح جماحها، تغذيها المنافسة القائمة بين هذه البرامج، والدور التكاملي الذي تقوم به في حل مشاكل العديد من المستمعين، مواطنين ووافدين.
والثقة التي يولونها إياها بعد أن أثبتت نجاحا في حل الكثير من المشاكل التي يبدو بعضها صغيرا لكنه يستعصي على الحل - بالتجربة - ما لم يمر عبر بوابة البث المباشر، ويصبح قضية عامة يشترك في تناولها الجميع.
من يرصد القضايا التي يطرحها المشاركون في هذه البرامج يجد أن أغلبها يتمحور حول مشاكل المرور والإسكان والبطالة والتوطين والغلاء، وكل ما يتعلق بوزارات ودوائر الخدمات بالدرجة الأولى، حيث تتوزع الاتصالات الهاتفية والرسائل على هذه القضايا التي أصبحت عاملا مشتركا في برامج البث المباشر.
هذه الشكاوى والمناشدات التي تشكل العمود الفقري لبرامج البث المباشر ليست إلا انعكاسا لما يواجه المستمعين من مشاكل، وما تزخر به حياتهم من هموم يثيرونها عبر هذه البرامج التي أصبحت متنفسا للجميع، حتى غدا كل صاحب مشكلة يعتقد أن مشكلته لن تجد طريقها إلى الحل مالم يقم بعرضها من خلال برنامج من برامج البث المباشر في دبي أو أبوظبي أو عجمان.
إلى الدرجة التي دفعت البعض إلى الإعراض عن أرقام الطوارئ التي تخصصها بعض الجهات للجمهور، كالشرطة والبلديات ودوائر الماء والكهرباء على سبيل المثال، واللجوء إلى برامج البث المباشر للإبلاغ عن الأعطال ذات العلاقة بهذه الدوائر.
فهل الخلل في الدوائر التي تقاعست عن تقديم خدماتها للجمهور، أم هو في الجمهور الذي أفسدته هذه البرامج ـ كما يعتقد البعض ـ فأصبح كسولا مدللا غير قادر على الاعتماد على نفسه؟
لعله من الإنصاف أن نعترف بدور هذه البرامج التي حققت جماهيرية كبيرة وأصبح مقدموها نجوما عن جدارة واستحقاق، بعد أن نجحوا في طرح الكثير من القضايا التي كان بعضها تابوهات لا يمكن الاقتراب منها، واستطاعوا حل الكثير من المشاكل التي وجدت طريقها إلى أصحاب القرار من خلال هذه البرامج. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل كان المستمع صاحب المشكلة سيلجأ إلى برنامج من برامج البث المباشر هذه، أو على هذا النحو المتنامي، لو وجد باب المسؤول مفتوحا أمامه للاستماع إليه كما يحدث عندما تعرض قضيته عبرها؟
وهل كان سيقابل بالاحترام والاهتمام اللذين يعامل بهما على الهواء فيما لو لم يلجأ إلى واحد من هذه البرامج حيث يجد المسؤولين متحمسين لحل مشكلته ـ أو احتوائها على الأرجح ـ حتى لا تثير لغطاً حول الدائرة المعنية؟
ما يلفت النظر أيضا لدى من يتابع برامج البث المباشر أن هناك دوائر ومسؤولين تسجل لهم سرعة الاستجابة لما يطرح من قضايا تخص دوائرهم في هذه البرامج، يتمتعون بشفافية عالية في مناقشتها وصدور مفتوحة لتقبلها، ولا تنقصهم روح المبادرة والاتصال بأنفسهم عندما تقتضي الضرورة ذلك. وعلى النقيض من هؤلاء يحاول مسؤولون آخرون التهرب والابتعاد عن مناقشة مشاكل دوائرهم مما يعني اعترافا غير مباشر منهم بالتقصير.
أو يفعلون ذلك إيثارا للسلامة التي لن تتأتى بالتأكيد عن طريق دفن الرؤوس في الرمال وتجاهل حاجات الجمهور ومشاكله بعد كل هذه الدعوات التي يوجهها قادة هذا البلد للشفافية والمكاشفة والنزول إلى الجمهور، حتى غدت برامج البث المباشر نتيجة تهرب هذه الفئة من المسؤولين ضرورة وليست ترفا.
ما نريد أن نخلص إليه هو أننا نعيش في دولة يتمتع شعبها والمقيمون على أرضها بالرفاهية والاطمئنان والأمن، ومزايا كثيرة تحسدنا عليها كثير من الشعوب، بفضل القيادة الحكيمة التي أنعم الله بها علينا، والمتابعة الدؤوبة منها لكل ما يحقق ذلك لأبناء الوطن.
ولكن ليس إلى الدرجة التي ينظر بها البعض إلينا - مهما كانت دوافعه ـ على أننا شعب لم يعد هناك من شيء يفتقده إلا الشعور بوقع الكوارث حتى يستوردها المسؤولون له، لأن هذه النظرة القاصرة غير المنصفة لنا هي في حد ذاتها كارثة.
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إماراتي