الأمم جميعها اليوم، من شرقيها إلى غربيها، ومن شماليها إلى جنوبيها، في تسابق محموم لوضع بصمتها على الحضارة البشرية في هذه الحقبة الدقيقة من الزمن ومن التاريخ، وتحشد في سبيل ذلك أقصى طاقاتها لإبداع كل ما هو جديد ومبتكر ومتميز، حتى لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وقدمته بأسلوب إبداعي وفي قوالب تناسب روح العصر، ولم يسلم من ذلك شيء حتى أطباق الطعام.

ولعل الأمة العربية هي الاستثناء الوحيد من ذلك أو تكاد أن تكون، لا يشاطرها حالة العقم الإبداعي إلا أمم معدودة على شاكلتها آثرت ذل الهزيمة أمام وعورة التحديثات.

ومعاقرة الكسل اللذيذ على العمل الجاد الشاق، والتقليد الأعمى على الابتكار، والهتافات على نتاج الآخرين غثة قبل سمينة، وما تركنا شيئا إلا وتسابقنا إليه تسابق الفراش إلى النار، حتى دخلنا جحر الضب الذي حذرنا منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

والواقع أننا لسنا عاجزين عن أن نكون مبدعين، أو أن خلايا التفكير في أمخاخنا أصبحت عاطلة عن العمل، إلا أننا بانحراف في الثقة بالنفس وبالهوية ـ وضعنا عقولنا وأفهامنا ومداركنا تحت تأثيرات أو هواجس الاعتقاد بأن الإبداع والابتكار والعبقرية إما أنه عمل خارق فلا يقدر عليه إلا أمم بذواتها.

أو أنه عمل لا يحتاج إلا إلى شيء من «الشطارة» أو «الفهلوة» أو «الذكاء الشيطاني» أو هو موهبة لا يتمتع بها إلا أبناء طبقة معينة في المجتمع، حتى صرنا اليوم نشاهد ـ في حسرة ـ طوابير العباقرة والمبدعين من المفكرين والعلماء والأدباء والساسة والفنانين حتى الرياضيين والطباخين ومن دونهم، فلا نكاد نجد بينهم ناطقا بالضاد.

إن الإبداع جهد يستطيع ان يبرع في ممارسته كل من سعى اليه، ولكنه جهد ليس مقصودا لذاته، وإلا كان إضاعة للمال والجهد والوقت فيما لا طائل وراءه، ولكنه مقصود لشحذ الهمم، واستنفار الطاقات، وتضافر الإمكانيات في عمل جاد متشعب وجهد دؤوب ومتقن، في سبيل الوصول إلى حلول أو وسائل أو أساليب أو أفكار ترفع من شأن الإنسان، وتعود على الجنس البشري بالمنافع أو تنبه الأزمات.

هنا سيتبادر السؤال مستنكراً لماذا؟ ونحن اليوم أفضل حالاً عما كنا عليه من حيث وفرة الإمكانيات البشرية والمادية والمعرفية؟

الأزمة ـ في رأيي ـ تكمن أساسا في أنماط تفكيرنا وسلوكياتنا، التي تجعلنا نطفو لا إراديا في منطقة انعدام الوزن، ويكفي أن نلقي نظرة على ميزانيات التطوير والابتكار في مؤسساتنا ثم نقارنها بأرقام دول العالم «المبدع» حتى نصعق من هول الفجوة السحيقة التي تفصل بيننا وبينهم.

وهذا أمر يستدعي قبل أي شيء آخر إعادة هندسة أنماطنا التفكرية والسلوكية وفق أصول الإبداع والتفوق وقواعده ومقوماته، وتلك مسؤولية يتحمل وزرها مؤسسات التعليم والتدريب والبحث العلمي والشركات الكبيرة على اختلاف مستوياتها وتخصصاتها وأنشطتها، وفي هذه المساحة المحدودة سأحاول ان ألقي ـ في عجالة ـ إضافة متواضعة على بعض من أنماط تفكيرنا وسلوكياتنا «المشوهة».

1 ـ نحن لا نتقن مهارات التفكير الجاد والمركز في الفكرة أو المشكلة أو الأزمة التي بين أيدينا، أو ما يسمى اليوم بالعصف الذهني، سواء عملنا فرادى أو مجموعات من خلال فرق العمل.

بل نكتفي بأول وميض للفكرة «أو الحل» ثم نهدر باقي طاقتنا التفكيرية ورصيدنا من الوقت في الدوران حول الفكرة وهي في طورها الجنيني والإعجاب بها بطريقة متغطرسة، أو بالاستسلام لليأس من أهمية مواصلة البحث عن بديل آخر قد يكون هو الأفضل.

2 ـ بسبب الإفراط في الاعتداد بالنفس«أو ربما الغرور لدرجة الغطرسة» فإن الفكرة التي أبدعناها لا نخضها للتقويم والمناقشة النقدية من حيث مدى تحقيق أقصى المنافع أو المكاسب، وتجنب معظم الأضرار أو الخسائر، ولهذا فإنها عندما تفشل ـ كنتيجة منطقية ـ فإننا نزعم أن الناقد «ذو العين المتشائمة» لم يتفهمها، أو نسارع إلى إلقاء اللائمة على التنفيذ.

3 ـ لا توجد لدينا قناعة بأن منهجية التنفيذ، والإنتاج، والتقويم، تحتاج إلى استخدام طرائق أو آليات تعتمد على تطبيق الأساليب الحديثة في التصميم والتخطيط والتنظيم والتطوير المستمر، فكم من الأفكار المبدعة انتهى مآلها إلى صناديق المهملات لأنها لم تتطور تطورا متواصلا،.

وكم هي الأفكار أو التجارب التي أبدعناها وكتب لبعضها النجاح الجزئي «لا أقصد التجارب التي اقتبسناها من الآخرين» وأكثرها لا يزال يخطو تارة ويكبو تارات، لدرجة تجعلها في حالة لا تعد معها صالحة لتسويقها للآخرين، وما ذلك إلا لأن تلكم الأفكار لم تصمم وتنتج وفقاً للأصول والقواعد والمقومات التي تهيئ البيئة الصالحة لمخاض الفكرة كإبداع.

4 ـ لسنا متوازنين في التعامل مع عنصر الزمن، فإما أن نرتجل أفكاراً فتفشل في الغالب، أو نتردد بغية اقتناص فرصة الكمال المطلق حتى ينتهي المطاف بالفكرة إلى متحف التاريخ، كما أننا لسنا متوازنين في التعامل مع الموارد، فالكرم الحاتمي لدرجة الهدر الفاحش في حشد الموارد والإمكانيات المالية على حساب العناصر الأساسية الأخرى يفقد الفكرة صفقتها الإبداعية.

5 ـ التراكم المعرفي والخبرة العملية بالنسبة لنا ترف لا طائل من ورائه، لاسيما ما كان موضوعا على أسس أكاديمية ومنهجية، لأن ما نصنعه نحن مقدس كله، أما ما صنعه من كان قبلنا فإنه غثاء كله، ولأننا نؤمن بأن من سيأتي بعدنا سيطبق هذه الطقوس نفسها، فإننا لا نحرص على توثيق تجاربنا ونتاجاتنا وأفكارنا وإضافاتنا الحضارية، فتصبح من بعدنا هباء منثوراً.

6 ـ إيماننا بالعمل المؤسسي لا يزال مشكوكا في جدواه، وما زلنا نعتقد أن العبقرية أو الإبداع عمل فردي، لا يحتاج إلا إلى اليسير من الجهد والتعب، فهو بذلك نتاج فكرة عابرة تمر على خاطر أحدنا ليلاً فإذا طلع النهار خرج بها على العالم، ثم لا حاجة إلى أكثر من ذلك.

أي لا حاجة إلى التحصيل العلمي والخبرة والتجارب العملية والميدانية المريرة والجهود الجماعية المخططة والإرادة الثابتة، وكأن الأمم الأخرى تأتي بإبداعاتها وابتكاراتها من أسواق السمك والخضروات.

aalmutawa@dubaidb.gov.ae

كاتب إماراتي